فهرس الكتاب
لاحظوا إلى أي حد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دقيقًا حتى أنه نهى أن يُزاد ولو مقدار قليل على تراب القبر، فما بالك بالفضة والجصّ وأحجار المرمر وغيرها من الأحجار الثمينة!
ولكن أمتنا لم تلق بالًا لهذه الأوامر بل أسرفت في تعمير قبور عظماء الدين ووصل الأمر إلى وضع الكذابين الغلاة رواية نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل تعمير القبور، وفيما يلي نقوم بدراسة هذه الرواية متنًا وسندًا:
روى الحر العاملي في «وسائل الشيعة» (باب 26 من كتاب المزار) بسنده عن عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ السَّاجِيِّ وَاعِظِ أَهْلِ الْحِجَازِ عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال (ضمن حديث طويل) : يَا عَلِيُّ! مَنْ عَمَرَ قُبُورَكُمْ وتَعَاهَدَهَا فَكَأَنَّمَا أَعَانَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عَلَى بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ومَنْ زَارَ قُبُورَكُمْ عَدَلَ ذَلِكَ لَهُ ثَوَابَ سَبْعِينَ حَجَّةً بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ زِيَارَتِكُمْ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ...» [1] .
هذا الحديث فاسد السند كما هو فاسد المتن.
راويه الأول «عبد الله بن محمد البلوي» ضعّفه علماء الرجال واعتبروه كذّابًا ووضّاعًا وطعنوا به وقالوا: لا ينبغي الاعتناء بحديثه. وقد روى عن «عمارة بن زيد» الذي صرّح علماء الرجال بشأنه أنه رجل لا وجود له وأن ما نُسب إليه من روايات كله كذب. حتى أنهم لما سألوا «عبد الله بن محمد البلوي» من «عمارة» هذا الذي تروي عنه؟ فقال: رجلٌ نزلَ من السماء فحدَّثني ثم عَرَجَ!! [2] .
والراوي التالي هو أبو عامر وَاعِظُ أَهْلِ الْحِجَازِ وهو مجهول الحال ومهمل.
(1) الشيخ الطوسي، «تهذيب الأحكام» ، ج6/ص 227.
(2) رجال العلامة الحليّ، ص24.