ويدركون أن هذه الروايات لا يمكن لعقل مسلم أن يتحملها، فأوصوا دعاتهم بالتدرج في نشرها وبثها، فقالوا: «إن حديثنا تشمئز منه القلوب، فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذروهم» [11] ، وبوب شيخهم الكليني في ذلك بابًا بعنوان: «باب الكتمان» [12] ، وعقد شيخهم المجلسي في كتابه «البحار» بابًا بعنوان: «باب إن حديثهم - عليهم السلام - صعب مستصعب» [13] .
ثم قاموا بتدوين هذه النصوص في مصادر لم تكن معروفة لدى عموم الأمة، لأنها كانت - فيما يظهر - موضع التداول السري فيما بينهم، وكانوا يتعاملون مع عموم المسلمين بالتقية التي هي من أركان دينهم، وهي التظاهر في أقوالهم وأفعالهم بخلاف ما يعتقدونه بقلوبهم، وذلك بغية تحقيق أهدافهم، وقد قرر شيخهم محمد جواد مغنية أن التقية عندهم هي أن «الغاية تبرر الواسطة» [14] ، أي هي ما يسمى في العرف السياسي بالميكيافيلية. والحقيقة أن تقيتهم لا معنى لها سوى النفاق، وليست هي التقية المشار إليها في القرآن بقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] ، ومع أنها النفاق بعينه فقد عظموا من شأنها في دينهم حتى قالوا: «لا دين لمن لا تقية له» [15] .
ولهذا فقد أصبحت هذه المصادر بما تضمنته من مبادئ خطرة موضع الكتمان، وبحسبك أن تعلم أن أهم هذه المصادر وأصحها وأقدسها في نظرهم «الكافي» للكليني لم يكن معروفًا لدى معاصريه، كالإمام أبي الحسن الأشعري صاحب «المقالات» مع أنه معاصر للكليني زمانًا ومكانًا، بل لم يقف عليه من جاء بعد الأشعري من علماء المقالات والفرق كعبدالقاهر البغدادي، وابن حزم، والإسفراييني، والشهرستاني.