فهرس الكتاب
ولما كان سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أحد الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا بالإقتداء بسنتهم؛ وقد كان من سنته أنه لم يكفر الخوارج الذين كفروه وخرجوا عن طاعته وقاتلوه، وهو خليفة المسلمين وأعلى سلطة تنفيذية وقضائية في ذلك الوقت؛ وكان بإمكانه أن يفرض آراءه على من يشاء من رعيته، ورغم الأحاديث الكثيرة الواردة في حق الخوارج وأنهم كلاب أهل النار، وشر قتلى تحت أديم السماء، ونحو ذلك، أقول مع كل هذا فإنه رضي الله عنه ما كفّرهم ولا قاتلهم ( [44] ) ، حتى خَرَجُوا عَنْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خباب وَأَغَارُوا عَلَى مَاشِيَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَامَ وَخَطَبَ النَّاسَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ فَاسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ.
لذا وجب علينا الإحتراز وعدم الإقدام على تكفير من خالفنا في الرأي والإجتهاد؛ سواء في مسائل علمية أو عملية، وسواء أكانت في مسائل شرعية أو سياسية أو فكرية، فإنها مزلة أقدام لا تحمد عقباه.
(قَالَ الْغَزَالِيّ فِي كِتَاب"التَّفْرِقَة بَيْن الْإِيمَان وَالزَّنْدَقَة: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَاز عَنْ التَّكْفِير مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَإِنَّ اِسْتِبَاحَة دِمَاء الْمُصَلِّينَ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأ، وَالْخَطَأ فِي تَرْك أَلْف كَافِر فِي الْحَيَاة أَهْوَنُ مِنْ الْخَطَأ فِي سَفْك دَم لِمُسْلِمٍ وَاحِد) ( [45] ) ."