الصفحة 52 من 77

ولكن رغم هذه البراهين والأدلة الساطعة نجد قومًا سفهوا أنفسهم فأغمضوا أعينهم وصموا آذانهم عن الأدلة النقلية والعقلية، فزعموا أن النسخ ضرب من البداء، أو مستلزم للبداء، ثم قالوا لولا ظهور مصلحة لله ونشوء رأي جديد له، ما نسخ أحكامه، وبدل تعاليمه . ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض، ما ظهر له أمر كان خافيًا عليه، وما نشأ له رأي جديد كان يفتقده من قبل، إنما كان سبحانه يعلم الناسخ والمنسوخ - أزلًا - من قبل أن يشرعهما لعباده، بل من قبل أن يخلق الخلق، إلاّ أنه - جلت حكمته - علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم، وعلم أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطًا بحكمة وبمصلحة أخرى، ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس، وتتجدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم، وأن الأحكام وحكمها، والعباد ومصالحهم، والنواسخ والمنسوخات، كانت كلها معلومة لله من قبل، ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه. والجديد في النسخ إنما هو إظهاره

تعالى ما علم لعباده، لا ظهور ذلك له .

إن الله تعالى يغير ما شاء من شرائعه وخلقه، على وفق علمه وإرادته وحكمته، وعلمه سبحانه لا يتغير ولا يتبدل، إنما التغير في المعلوم لا في العلم بدليل قوله: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } [1] أي وعنده المرجع الثابت الذي لا محو فيه ولا إثبات، وإنما يقع المحو والإثبات على وفقه، فيمحو سبحانه شريعة ويثبت مكانها أخرى، ويمحو حكمًا ويثبت آخر، ويمحو مرضًا ويثبت صحة، ويمحو حياة ويثبت موتًا. فالنسخ تبديل في المعلوم لا في العلم وتغيير في المخلوق لا في الخالق، وكشف لنا وبيان عن بعض ما سبق به علم الله القديم المحيط بكل شيء. وفي هذا دليل واضح على بطلان معتقد الشيعة الإمامية بالبداء على الله تعالى [2] .

المبحث الرابع

(1) سورة الرعد: 39 .

(2) انظر: مناهل العرفان 2/181-183 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت