أما الغلاة، فإن موقفهم الصحيح هو موقف العداء لأهل البيت. وأمامنا مثال صارخ يضج بهذا العداء في كراهيتهم لزيد، لأنه لم يستجب للآراء الغنوصية.
ونعود إلى الروافض وموقف الخذلان الذي أخذه الشيعة طابعًا لهم منذ استشهاد الحسين، إنهم عاهدوا وبايعوا ثم نكصوا على أعقابهم في الساعة التي تمتحن فيها متانة العقائد، فلما جاءت الأجيال التالية بعدهم لم يسعها إلا صياغة المذهب في تأكيد حقوق الأئمة صياغة فلسفية نظرية ليعوضوا الدور الذي كان ينبغي على أسلافهم أن يؤدوه، وهو الدور الحقيقى الذي كانت تمليه الأحداث وتفرضه عليهم فرضًا.
ولم يكن انصراف الروافض عن مناصرة زيد بن على إلا لأنه أكد محبته للصاحبين في سياق نظريته عن جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، لقد أعلن لهم دون مواربة وهو على أهبة الاستعداد للحرب، أن (الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة... وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن ممن عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) [8] .
فلا نص هناك إذًا ولا وصية، وإلا لنادى بها وأعلنها في نزاعه ضد هشام بن الحكم، وهو الفقيه المحدث الراوي لحديث آل البيت وغيرهم [9] .
بل إنه يكاد يعلن وهو يناقش أخاه محمد الباقر (أن أباه لم يكن إمامًا بل كان في نظره رجلًا من صالحي أهل البيت) [10] لأنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج [11] .
إن الإمام زيد في حقيقة الأمر قد ظهر في الوقت الناسب لكي يقف في وجه الآراء الشيعية التي سادت في عصره، ويعود بذاكرة القوم إلى الأعمال الباهرة التي قام بها الشيخان أبو بكر وعمر والتي جعلت خلافتهما (حصن الإسلام المكين) [12] .