إن عملية استرجاع الوعي لجماهير المتصوفة وأتباع المراجع الشيعية، وإخراجهم من صدفة الأعراف والتقاليد والطقوس الخاطئة، وسحبهم إلى حلقة النور، وشطب كلمة (مولانا، سيدنا، شيخنا) من عقليتهم، تتطلب رجالًا من طراز خاص لهم إلمام ودراية بالدين والتأريخ وعلم الاجتماع. رجال عندهم إرادة واعية متحفزة وقادرة على التحرك داخل شرنقة المجتمع وتنقيته من الأفكار والمعتقدات الخاطئة، التي يعتبرونها ثوابت في العقيدة مُسلّم بها وغير قابلة للدحض والتمحيص أو المراجعة وحتى المناقشة على أقل تقدير، إضافة إلى القدرة على استقطاب القوى الاجتماعية المحركة والمؤثرة في البنية الاجتماعية وضمها تحت جناح المشروع النهضوي البناء.
يفترض أن تكون تلك القوى الواعية متحفزة ويقظة للتيارات المتخلفة المعادية لتحركها النهضوي بأشكالها المقصودة والعفوية وغير المحسوبة، فرجال الدين الأدعياء سرعان ما يتحولون إلى شياطين مردة عندما تتعرض مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم إلى الخطر، والعراق المحتل أبرز دليل على ذلك.
وكلما تمكنت النخب الاجتماعية الرائدة من إجهاض مخططات قوى الظلام في مهدها بسرعة، كلما أمنت لنفسها ولغيرها سلامة المسير والوصول إلى هدفها. فالحكمة تحذرنا كل الحذر من أن قوى الظلام ستتشبث بكل قوتها بعفاريت العقلية الشعبية، وليس من السهل إجبارها على المغادرة وإرجاعها إلى قماقمها المظلمة؛ إنها مهمة صعبة حقًا، ولكنها ليست مستحيلة. وهي مهمة إنسانية ودينية ووطنية تتناغم مع تعاليم السماء وقوانين الأرض.