د. بليل عبدالكريم
الصِّلة بيْن التصوُّف والتشيُّع حقيقة تحدَّث عنها كثيرٌ من النقَّاد، مثل ابن خلدون، وإحسان إلهي، وكامل مصطفى الشيبي، وهو ممَّن أفرد كتابًا لإثبات ذلك، وغيره ممَّن عقدوا مقارناتٍ بين اعتقادات وطقوس الفريقين.
وداوعي التنبُّه إلى المقاربة بين الطائفتين كثيرة، منها منشأُ التصوف وبيئتُه وأقطابه ومصطلحاته، وكثير مِن العقائد التي به، غير أنَّ ما يرسِّخ التواصلَ بينها هو ظهور الدولة العُبيديَّة الشِّيعيَّة الإسماعيليَّة الباطنيَّة المتسمية بالفاطميَّة، فقدْ لبِس التصوف في عهدها والذي تلاها لباس الشيعة.
وتعقد المقارنة بادئ ذي بَدْءٍ في نشأة التصوف، فالتصوف منبتُه فارسي شِيعي؛ وينصُر هذا الرأي طائفةٌ من خصوم التصوف من السُّنة، وأخرى مِن أهل التصوف من السُّنة والشيعة، وبين أولئك باحثون في التصوف يؤيِّدون ذا الرأي، إلا أنَّ لكل طرف غرضَه مِن نصرة ذا الرأي.
فالثابتُ مِن كتُب كثير ممِن عاصر الصوفية؛ وغيرهم: أنَّ أوَّلَ مَن أسَّس التصوف هم: الشيعة، ومرجِع النشأة لرجلينمنهم؛ هما"عبدك" (ت 210) مختصَر عبدالكريم، وهو على رأس طائفة شيعيَّة، وأبو هاشم الكوفي الشيعي الصوفي (ت150) [1] .
فالتصوُّفُ وليدُ التشيُّع، وبداية أمر حركة التصوُّف الفرس؛ الذين يمثلون عصبَ التشيع ودمَه الفوَّار، وكبار المتصوِّفة والمنظِّرين له فرس؛ كالبسطامي والحلاَّج، ومعروف البلخي وابن خضرويه البلخي، ويحيى بن معاذ الرازي، وللتشيُّع أمشاجٌ فارسية متعدِّدة الثقافات والعقائد، وشيعة العِراق زُمرة فِراق، وشِرذمة شِقاق، دأبهم تشقيق الكلام، والتلفيق بيْن الأديان، وذِي سيرتهم قبل الإسلام، وصَنيعهم مع جمهرةِ الأديان التي حلَّتْ أرضهم، والفرس أُصيبوا بداء (الغنوص) وهي فلسفة حلوليَّة ذات طابع رُوحاني صوفي مَحْض سَرَتْ في أديان وطوائفَ عِدَّة، بنِسَبٍ متقارِبة.