فهرس الكتاب
يقول العلامة إبن القيم: ( فإن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والإحسان ومقابلة النعم بالشكر وفطرهم على استقباح أضدادها ونسبة هذا إلى فطرهم وعقولهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم وكنسبة رائحة المسك ورائحة النتن إلى مشامهم وكنسبة الصوت اللذيذ وضده إلى أسماعهم وكذلك كل ما يدركونه بمشاعرهم الظاهرة والباطنة فيفرقون بين طيبه وخبيثه ونافعه وضاره) ( [117] ) .
المحور الأول
التحسين والتقبيح عند أهل السنة والجماعة
يتفق أهل السنة والجماعة ( إلا الأشاعرة ) مع الشيعة على أن للأشياء والأفعال حسنا ذاتيا أو قبحا ذاتيا، ولكنهما يتنازعان في:
هل كل ما حسّنه العقل يستحق الثواب من الله؟
وهل كل ما تبين قبحه بالعقل يستحق العقاب من الله؟
فذهب أكثر الشيعة إلى الملازمة بينهما. في حين نفى أهل السنة هذه الملازمة.
وللوقوف على مذهب أهل السنة في هذه المسألة نرى أن نحدد أبرز سمات رأيهم، ثم نتطرق إلى الخلاف بينهم وبين الشيعة؛ فتحرير محل النزاع في المسألة ومعرفة رأي كل فريق بدقة يحل الإشكال، فنقول وبالله التوفيق:
السمة الأولى: أن العقل عندهم يحسَّن ويقبَّح:
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( القائلون بالتحسين والتقبيح من أهل السنة والجماعة من السلف والخلف يثبتون القدر والصفات ونحوهما مما يخالف فيه المعتزلة أهل السنة، ويقولون مع هذا بإثبات الحسن والقبح العقليين، ... فنَفْيُ الحسن والقبح العقليين مطلقًا لم يقله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، بل ما يؤخذ من كلام الأئمة والسلف في تعليل الأحكام وبيان حكمة الله في خلقه وأمره، وبيان ما في ما أمر الله به من الحسن الذي يعلم بالعقل، وما في مناهيه من القبح المعلوم بالعقل ينافي قول النفاة ) ( [118] ) . ولا يختلف رأي الشيعة في هذا كثيرا.
السمة الثانية: أن الثواب والعقاب على حسن الفعل وقبحه ثابتان عندهم بالشرع لا بالعقل: