الصفحة 43 من 391

التستري (ت:1019 هـ) : كشف الله تعالى برسوله طريق الحق وأوضح لهم نهج الصدق فأسلم القليل شوقا إلى نور الأنوار، أو خوفا من دخول النار، واستسلم الكثير رغبة في جاه الرسول المختار لما سمعوا في ذلك عن راهبيهم من الأخبار أو رهبة عن اعتضاده بصاحب ذي الفقار، والذين معه أشداء على الكفار فداموا مجبولين على توشح النفاق وترشح الشقاق، يتبسم في كل وقت ثغورهم، والله يعلم ما تكن صدورهم وإذ قد تم الدليل واتضح السبيل، وأداروا عليهم كؤوس السلسبيل فما شرب منهم إلا قليل، عزم صاحب المجلس على الرحيل وأزمع على التحويل، فأحال الجلاس فيما بقي من ذلك الكأس على الساقي الذي لا يقاس بالناس، وأوفاه في غدير خم من كأس من كنت مولاه فعلي مولاه فبخبخ عليه عمر، وهناه، وبايعه جل من حضر وحياه، فلما رحل صاحب الكأس وانتفى أثر تلك الأنفاس، خرج الأغيار من الكمين، وضيعوا وصية الرسول الأمين، فنسوا الكأس الذي عليهم أدير، ونقضوا ونكثوا عهد الغدير، وبيعة الأمير، إذا سقاهم حب الجاه وعقد اللواء كأس الهوى فأعرضوا عن الساقي الباقي مليا، وتركوه نسيا منسيا، فصار جديد عهدهم رثا، وشمل بيعتهم هباء منبثا وانجز دائهم الدفين، وانتهى بهم إلى أن عادوا إلى الخلاف الأول، وارتدوا على أعقابهم، فهدموا أركان الشرع وأكنافه، وكسروا أضلاع الدين وقطعوا أكتافه وهضموا حق أهل البيت، ولم يلحقهم فيه مخافة، ومنعوا إرث فاطمة من غير أن تأخذهم فيها رأفة ولا رحمة، انتصبوا من غاية الجهل والجلافة للخلاف على الخلافة، وغصبها بكل حيلة وجزافة، فنصبوا الخالي عن العلم والشرافة، المملو من الجهل والكثافة، فلم يزل كانوا بآيات الله يمترون، نبذوا الحق وراء ظهورهم، فاشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون [1] .

(1) شرح إحقاق الحق، للمرعشي، 1/5

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت