الصفحة 75 من 81

وقال وهو يتوسع في هذا المعنى في موضع آخر: (الإنسان المقهور الذي لم يتمكن من التصدي لقدره ومجابهة تحدياته، يلوذ بقوى تحميه ويجد نفسه في وضعية تبعية على مختلف الأصعدة. تكلمنا إلى الآن عن بعض أوجهها، خاصة التمسك بالتقاليد والرجوع إلى الماضي والتماهي [1] بأبطال القصص الشعبي، الذوبان في الجماعة وفي الأسرة والعشيرة. كل هذه الانتماءات ترسخ نمطه النكوصي الطفلي في مجابهة واقعه، من خلال الاتكال المتزايد على القوى الخارجية التي تعوض له ، واقعًا أو خيالًا ، بعض ضعفه. هذه القوى تأخذ من الناحية النفسية باستمرار صورة ودلالة الأب الرحوم الحامي الذي يتمتع بالقوة والجبروت والقدرة على كل شيء. وتمتزج هذه الصورة أيضًا بصورة الأم الحنون المعطاء عاطفيًا. تتكون من كلتا الصورتين صورة مزيج، هي صورة البطل أو الولي الملاذ... أبطال الإنسان المقهور عديدون، يشكلون سلسلة متصلة الحلقات تذهب من الأسطورة إلى الواقع. وكلهم يتصفون على الدوام بنفس الخصائص: الجبروت والقدرة على تغيير الواقع المؤلم أو المأزقي بخير منه يكون لصالح الإنسان المقهور، الرحمة والحدب، العطاء دون حدود، إمكان التقرب منه والتودد إليه، الشعور بروابط عاطفية وثيقة تربط الإنسان به، إحلاله في دور الحامي والمدافع عن المقهورين، إعلاء شأنه وتنزيهه عن كل أوجه القصور والعجز التي يشكو منها الإنسان المقهور، إحلاله في مرتبة المثل الأعلى له، وخصوصًا الوضعية الطفلية الاتكالية تجاهه وتسليمه مقاليد أمره ومهمة تدبير مصيره.

(1) التماهي عملية نفسية لا واعية أساسها الإعجاب يتمثل الشخص من خلالها جانبًا أو خاصية أو صفة من الآخر، ويتحول كليًا أو جزئيًا على غراره، وتنبني شخصيته تبعًا له. ومن مظاهرها تمثل صفات أسطورية مرغوبة ثم إسقاطها مضخمة على الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت