الصفحة 105 من 482

قال الذهبي: فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما ذي إلا بلية عظيمة وخطر شديد ممن يروي الأباطيل والأحاديث الساقطة المتهم نقلتها بالكذب. فحق على المحدث أن يتورع في ما يؤديه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذًا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان. وإلا تفعل:

فَدَعْ عنك الكتابة لستَ منها ... ولو سَوَّدتَ وجهك بالمِدادِ

قال الله - عز وجل -: { فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } (النحل: من الآية43) فإن آنست يا هذا من نفسك فهمًا وصدقًا ودينًا وورعًا وإلا فلا تَتعنَّ، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البهرج وينكب الزغل ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فقد نصحتك، فعلم الحديث صعب فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب.

نعم فرأس الصادقين في الأمة الصديق - رضي الله عنه - وإليه المنتهى في التحري في القول وفي القبول وفي العلم والفهم يتحرى كل هذا التحري فأين أهل هذا العصر ممن يحدث بما شاء ويتكلم بما أراد دون أن يسند شيئًا من ذلك إلى آية أو حديث [1] .

(1) طاهر الجزائري: توجيه النظر إلى أصول الأثر، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، حلب، 1416هـ 1995، 1/61.

الذهبي: تذكرة الحفاظ، 1/ 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت