فهرس الكتاب
قال أبو بكر: « فقدمت مكة، وقد بُعِث النبي ج فجاءَني عقبة بن أبي مُعَيْط، وشَيْبَة، ورَبيعة، وأبو جَهْل، وأبو البختريّ، وصناديد قريش، فقلت لهم: هل نابتكم نائبة، أو ظهر فيكم أمرٌ؟ قالوا: يا أبا بكر، أعظم الخَطْب: يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي، ولولا أنت ما انتظرنا به، فإذ قد جئت فأنت الغاية والكفاية. قال أبو بكر: فصرفتهم على أحسن مَس وسألت عن النبي ج فقيل: في منزل خديجة، فقرعتُ عليه البابَ، فخرج إلي، فقلت: يا محمد، فقدت من منازل أهلك، وتركت دين آبائك وأجدادك؟ قال: «يا أَبا بكر، إني رسولُ الله إليك وإلى الناس كلِّهم، فآمِنْ بالله» فقلت: ما دليلك على ذلك؟ قال: «الشيخ الذي لقيتَ باليمن» . قلت: وكم من شيخ لقيت باليمن؟ قال: «الشيخ الذي أفادك الأبيات» . قلتُ: ومن خَبَّرَكَ بهذا يا حبيبي؟ قال: «المَلَكُ المعظم الذي يأتي الأنبياءَ قبلي» . قلت: مُدَّ يَدَك، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال أبو بكر: فانصرفت وما بين لاَبَتَيْها أشد سُرورًا من رسول الله ج بإسلامي» [1] .
وعن أبي سَلاَّم الحَبَشِي: أنه سمع عمرو بن عَبسة السُّلَمي يقول: ألْقِيَ في روعي أن عبادة الأوثان باطل، فسمعني رجل وأنا أتكلم بذلك، فقال: يا عَمْرو، بمكة رجل يقول كما تقول. قال: فأقبلت إلى مكة أسأل عنه، فأُخْبِرْتُ أنه مختف لا أقدر عليه إلا بالليل يطوف بالبيت، فقمت بين الكعبة وأستارها، فما علمت إلا بصوته يُهَلِّل الله، فخرجت إليه فقلت: ما أنت؟ قال: «رسول الله» ، فقلت: وبم أرسلك؟ قال: «أن يُعبَدَ الله ولا يُشرَك به شيءٌ وتُحقَنَ الدِّماءَ، وتُوصَل الأرحام» . قال قلت: ومن معك على هذا؟ قال: «حر وعبد» . فقلت: ابسط يدك أبايعْك. فبسط يده فبايعتُه، فلقد رأيتني وإني ربع الإسلام [2] .
(1) ينظر ابن الأثير: أسد الغابة، 3/207.
(2) مسلم: الصحيح، الآحاد والمثاني، ح ( 1329 ) .