فهرس الكتاب
وهذه الرواية تبين شجاعة الصديق - رضي الله عنه - اللامتناهية، وأنه كان يتصدى لمجرمي قريش وعتاتها، ممن يؤذونرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة قبل أن يكثر المسلمون أو تكون لهم شوكة، وهذا أحدهم عقبة بن أبي معيط الذي خنق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بردائه، فما رده إلا الصدّيق - رضي الله عنه - منافحًا وحيدًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك ظهر تمثل الصدّيق - رضي الله عنه - بالقرآن واستشهاده بآياته في دفاعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا سلاح أخلاقي جديد أدخله أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على مجتمع المشركين في مكة: چ چ چ چ ? ? ?چوالمعنى يا أيها المشركون هل تقتلون الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي ليس له ذنب معكم إلا أن يعلن أن الله ربّه - عز وجل - أرسله إليكم، وقد جاءكم بالبيان والدليل على ذلك من ربكم الذي خلقكم.
ومن هذه المواقف الرائدة والتضحيات الفائقة يأتي بغض أعداء الصحابة لأبي بكر - رضي الله عنه - وما ذلك إلا لمنافحته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماله وبدنه ولسانه، ولرعايته له يوم الهجرة وحرصه - رضي الله عنه - على افتدائه بنفسه، وخدمته - صلى الله عليه وسلم - بيده وعمله على توفير ما يحتاجه في سفره وفي إقامته، حرصًا على سلامته وإسهامًا في تفريغه - صلى الله عليه وسلم - لدعوته، دون أن يشغله عنها شاغل أو يرده عن تحقيق أهدافه عائق، فهو يقوم بكل ذلك وهو مشفق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزين أن لا يطيعه قومه الذين أخرجوه؛ فعرضوه لأخطار قطاع الطرق الباحثين عن المغانم والمكاسب التي يجنونها على حساب الدعاة والمجاهدين، كما حصل يوم الهجرة حتى قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما رأى شدة إشفاقه: { لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [1] .
(1) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم. ح (3652) .