أما بعد: فهذه أوراق انتخبتها ومسائل جمعتها وحررتها، في ردِّ الفرقة الذين سمَّوا أنفسهم بالشيعة، ووسموا غيرهم بكل قبيحة وشنيعة، مشتملة على ما يحتاج إليه مما كثر دوره بين الأنام، وشاع البحث عنه عند السادة الأعلام، شارعًا في بحث الإمامة، متوكلًا على الله العزيز أمامه. فأقول:
الباب الأول في الإمامة
ليُعلم أنَّ أَول ما اختلف فيه من مسائل هذا الباب، كون نصب الإمام واجبًا على العباد أو على الله. فأهل السنة على الأول، والشيعة على الثاني [1] ، والفطرة شاهدة بالأول؛ إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيسًا من بينهم، وكذا الشرع أيضًا، إذ الشارع قد أوضح شرائط الإمام وأوصافه ولوازمه بوجه كلِّي، كما هو شأنه في الأمور الجبلّية كالنكاح ولوازمه مثلًا، وأيضًا لا معنى للوجوب عليه تعالى، بل هو مناف للإلوهية والربوبية كما هو مقرر في محلِّه، وأيضًا كل ما يتعلق بوجود الرئيس العام من أمور المكلفين، من إقامة الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش إلى غير ذلك واجب عليهم، فلابدَّ أن يكون النصب أيضًا واجبًا عليهم؛ لأنَّ مقدمة ما يجب على أحد واجب عليه، أَلَا ترى أنَّ الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجبة على المصلي كالصلاة، لا عليه تعالى، وهذا ظاهر.
(1) يعتقد الشيعة الاثنا عشرية أن الإمامة ركن عظيم من أركان الدين كالنبوة تمامًا، يصطفي لها الله تعالى من يشاء من عباده، يقول مقداد الحلي (ت 821هـ) : إن مستحق الإمامة لابدَّ أن يكون شخصًا معهودًا من الله ورسوله، لا أي شخص اتفق. $العلم النافع# (ص47) . ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: $إن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، فكما أن الله سبحانه يختار ما يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيد بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه... فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيه بالنص عليه، وأن ينصبه إمامًا للناس من بعده# $أصل الشيعة وأصولها# (ص58) .