وفي قصة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة، فإذا هو بستر على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع فلم يدخل عليها، فعرفت رضي الله عنها غضبه لذلك، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبعثت به إلى أبيها، فقال: ما لآل محمد وللدنيا فإنهم خلقوا للآخرة ( [158] ) .
ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم لها مرارًا عن البكاء، ففي مرض موته صلى الله عليه وسلم كانت تقول: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، إن النبي لا يشق عليه الجيب، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العينان، وقد يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ( [159] ) .
وفي رواية: عن الباقر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: إذا أنا مت فلا تخمشي عليَّ وجهًا، ولا ترخي عليَّ شعرًا، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي عليَّ نائحة ( [160] ) .
وفي رواية: يا بنية، لا تبكين ولا تؤذين جلساءك من الملائكة ( [161] ) .
وفي رواية: أنها أكبت تنظر في وجهه وتندبه وتبكي، وتقول:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم عينه، وقال بصوت ضئيل: يا بنية، هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه، ولكن قولي: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ) [آل عمران:144] ( [162] ) .
ومنها: أنها طلبت من أبيها صلوات الله وسلامه عليه جارية، فقال: يا فاطمة، والذي بعثني بالحق إن في المسجد أربعمائة رجل ما لهم طعام ولا شراب ولا ثياب، ولولا خشيتي خصلة لأعطيتك ما سألت.