وفي قصة فدك زعم القوم أنها رضي الله عنها لما انصرفت من عند أبي بكر رضي الله عنه أقبلت على علي رضي الله عنه، فقالت له: يا ابن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حَجرة الظنين، نقضت قادمة الآجل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة أبي، وليغة ابني، والله أجهد في ظلامتي، وأَلَدَّ في خصامي، حتى منعتني القيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع، خرجت والله كاظمة، وعدت راغمة ولا خيار لي، ليتني مت قبل ذلتي، وتوفيت دون منيتي، عذيري والله فيك حاميًا، ومنك داعيًا، ويلاه في كل شارق، ويلاه مات العمد، ووهن العضد، شكواي إلى ربي، وعدواي إلى أبي ( [155] ) .
وكأن القوم يريدون أن يقولوا: إن الزهراء رضي الله عنها لم تكن ترى في علي رضي الله عنه زوجًا مثاليًا ولا نصيرًا، وإنها لطالما شكت إلى أبيها الضيعة بعده عليه الصلاة والسلام، وهذه الرواية دليل على ذلك، وإليك أخرى: دخلت -أي: الراوي- على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الحالة التي قبض فيها، فإذا فاطمة عند رأسه، فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رأسه، فقال: حبيبتي فاطمة، ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك، فقال: يا حبيبتي، أما علمت أن الله عز وجل اطلع على الأرض اطلاعة فاختار منها أباك، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إلي أن أنكحك إياه ( [156] ) .
وما دمنا نتحدث عن الزهراء رضي الله عنها؛ فلا بأس من ذكر بعض ما أورده القوم في شأنها مما ينافي العصمة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها مرة وفي عنقها قلادة من ذهب كان قد اشتراها لها علي رضي الله عنه من فيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة، لا يقول الناس: إن فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة، فقطعتها وباعتها واشترت بها رقبة فأعتقتها، فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ( [157] ) .