فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 89

إن سبب ذلك النوع من عصمة الأمهات هو الإرادة التكوينية لله عَزَّ وَجَلَّ التي تجلَّت في قلب الأم وجعلت الأم رحيمةً بأبنائها وعطوفةً بهم، ولكن هذه الرحمة والشفقة والعاطفة التكوينية لا تؤدي إلى محو الإرادة والاختيار عن الأم، ولا تجعل تلك الرحمة والعطف التكوينيين يصدران عن الأم على نحو غير إرادي وغير اختياري. كذلك يستحيل أن يقدم أكثر الناس على القتل العمد لأجل اختلافات ونزاعات جزئية جدًّا.... في حين أن الأفراد المجرمين لا يتمتعون بمثل هذه العصمة الفطرية، ولكن عامة الناس وغالبيتهم الساحقة يستحيل أن يقدموا على قتل إنسان عمدًا لسبب تافه وجزئيٍّ بسيط.

وإذا صعدنا درجة أعلى في سلم التكامل البشري هذا رأينا أن هناك مجموعة كبيرة من الناس تعيش في مستوى أعلى وأرفع من التكامل والإحساس والسلوك الإنساني، ومثل هؤلاء الأفراد يستحيل أن يظلموا الآخرين، كأن يقطعوا رزق الناس ويسرقوا أموالهم، أو يحاربوهم أو يرموهم في السجن بسبب اختلافهم معهم في العقيدة والرأي أو يقتلوهم أو يعذبوهم، في حين أن هناك أفرادًا آخرين لم يصلوا إلى هذا المستوى من التكامل الإنساني فهم يقتلون الآخرين بكل سهولة، ويعذبونهم ويهلكون الحرث والنسل (أموال الناس وأرواحهم) في المجتمع ويفسدون في الأرض [1] .

بناءً على ذلك، هذه المرحلة من العصمة أعلى درجة من المرحلة السابقة، ودائرتها أوسع من دائرة المرحلة الأولى، ولا شك أن هذه المرحلة من عصمة الإنسان العالية، ناجمة عن تربيةٍ إنسانيةٍ قويةٍ، وهي حصيلة ليقظةٍ ووعيٍ للوجدان ونتيجة لسلامة النفس وتهذيبها.

(1) . لا يخلو كلام المؤلف هنا من خلل، فمن الواضح أن مثل هؤلاء الأفراد لم يكونوا كذلك منذ طفولتهم بل وصلوا إلى مثل هذه الحالة النفسية بالتدريج وبعد طيِّ مراحل بعيدة عن الحالة الإنسانية العادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت