فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 89

ولا شك أنه كلما صعد الإنسان في سلم التكامل، وصل إلى مراحل ودرجات روحية ومعنوية أعلى وأسمى، وبدأ يطوي مراحل «العصمة» ؛ وكلما قطع مرحلةً ودرجةً من التكامل، استحال عليه أن يتجه إلى الرِّجْس والآثام والتعدِّي والظلم، وبالطبع فإن المدد الإلهي والعون الرباني سيشمله في هذا الطريق، وسينال الألطاف الإلهية ببركة مجاهداته وسيره وسلوكه، وسيتمتع بدرجات أكثر من تهذيب النفس والسيطرة عليها، ولكن من البديهي في الوقت ذاته أنه مهما ارتقى الإنسان في درجات الكمال الروحي والنفسي ومهما وصل إلى درجات العصمة فإن حرية الاختيار لا تُسلب منه، أي أنه يبقى قادرًا على الظلم والذنب لأن الغرائز السلبية موجودة قهرًا وتكوينًا في نفس الإنسان، وكبح هذه الغرائزالسلبية والرذائل الأخلاقية في مراحل التكامل المختلفة يرتبط بإرادة الإنسان واختياره الحر، كما أن إرادة الإنسان وتكامله، والألطاف الإلهية والعنايات الربانية مُقَدَّمَة بالطبع على كل تلك الأمور.

لا شك أن عناية الله الخاصة بالإنسان وتأييده له بألطافهالخاصة، من أهم أسباب قوة إرادة الإنسان وسيطرته وتحكمه بشكل كامل في سلوكه، وبُعْده عن الضلال والفساد، كما أنه لا شك أن عناية الله تعالى بعبدٍ من عبيده - شأنها في ذلك شأن سائر السنن الإلهية- تتبع كمًّا وكيفًا قواعد دقيقة وقوانين لطيفة جدًّا، أي كلما جاهد الإنسان نفسه أكثر حظي بنصيب أوفر من عناية الله به وتأييده له وتوفيقه إياه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَه?دِيَنَّهُم? سُبُلَنَا? وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ ال?مُح?سِنِينَ 69} [العنكبوت: 69]

إذن العصمة واستحالة صدور الذنب والمعصية من العبد لا تعنيان انمحاء الإرادة وزوال الاختيار الإنساني الحر بل معناها تنامي قوة الإرادة إلى درجة تصبح فيها أقوى من النزعات النفسية فلا تخضع إرادة مثل هذا الإنسان بعد ذلك للنفس الأمارة ولا تتجه أبدًا إلى الضلال والفساد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت