الصفحة 112 من 592

21 والمسألة المُهِمَّة الأخرى التي يخدع المشايخ بها العوام في الغالب، هي ما ذكرناه سابقًا من أنهم يسعون إلى حصر النهي في الآيات المذكورة أعلاه بـ «الأصنام» ، ولكننا أوضحنا أن المقصود من عبارة «دون الله» العقلاء والشخصيات العظيمة الصالحة والمُقرَّبون من الله الذين يُحبُّهم الناس ويتوجَّهون إليهم، بدليل أنه قد أُشير إليهم في كثير من الآيات بالاسم الموصول «مَنْ» الخاص بالعقلاء -لا بالخشب والحجر والمعادن- لأنه من الواضح أن المشركين الذين كانوا يدعون الأصنام كانوا يفعلون ذلك لكون تلك الأصنام تماثيل ومظاهر تُذكِّرهم بالعظماء والأولياء والمُقرَّبين والصالحين أو الملائكة أو ، فكانوا في الحقيقة يدعون أولئك الشخصيات لا الأخشاب والأحجار بحدِّ ذاتها على نحو الاستقلال. وبناءً على تصريح القرآن فإن الذين يدعوهم المشركون كانوا أشخاصًا عارفين بالله وعابدين له وَيَسْعَوْنَ إلى التقرُّب من الحق تعالى ويبتغون وسيلةً تُقَرِّبهم مِنَ اللهِ (الإسراء: 57) ولا شك أن مثل أولئك الأشخاص كانوا رجالًا صالحين ولم يكونوا أخشابًا وأحجارًا ومعادن. فالأصنام كانت موضع توجه واهتمام وتقديس بوصفها مرآة وآلة لتلك الشخصيات العظيمة، وحرمة الأصنام وتقديسها مِنْ قِبَلِ المشركين منشؤهما في الواقع تقديس المشركين واحترامهم وتعظيمهم لتلك الشخصيات التي تُمَثِّلُها الأصنام. وخلاصة الكلام، أن توجه المشركين واهتمامهم الحقيقي كان في الواقع تجاه تلك الشخصيات العظيمة كما يفعل البوذيون والهندوس الذين يُعظِّمون ويُكرِّمون تماثيل «بوذا» أو «كريشنا» بوصفها مُشابهة لهما ومُذكِّرة بهما، أي بسبب نوع من الانتساب إليهما لا أنهم يُعظِّمون الأخشاب أو الأحجار التي صُنعت منها تلك الأصنام، وإلا لما كان هناك من داعٍ أن يتجشَّم المشركون عناءَ نحت الأخشاب والأحجار وصُنعها على أشكال مُحدَّدة كشكل «بوذا» أو «وُدّ» أو «سُوَاع» أو ....

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت