وبنظرة مقارنة لما حدث في امتحان الإمام أحمد، نعثر على ألفاظ مشابهة، إذ لما ناظروه وذكروا أمامه الجسم أجابهم بقوله تعالى: (الله أحد، الله الصمد) "وإنما لفظ الجسم فلفظ مبتدع محدث ليس على أحد أن يتكلم به ألبتة" [6] . وهذا لا يمنع من اتخاذ موقف التشدد إزاء المجسمة أمثال هشام وأتباعه الذين وصفوا الله بما تنزه عنه من المماثلة للمخلوقات والاتصاف بالنقائص [7] .
وربما يتطلب منا إثبات الاتجاه السلفي لابن تيمية أن نأتي بنص عن الدارمي (282 هـ) أيضًا، فقد نفى عن نفسه قصد معنى الجوار (والتركيب، ونزه الله عن ذلك واعتبره من قبيل الادعاء الكاذب [8] وصرح في وجه معارضه بأنه يعلن تمسكه بما قاله ابن عباس"ليس لله مثل ولا شبه،. ولا كمثله شيء. ولا كصفاته صفة" [9] .
ويبقى أخيرًا من موضوع التجسيم، شرح ابن تيمية لمعنى التركيب لإزالة الشبهة القائمة على أن كل ما تقوم به الصفات. فهو مركب من أجزاء [10] .، فقد يقصد به تركيب الجسم من أجزاء متفرقة فاجتمعت مثل الأطعمة والأشربة والملابس والمساكن وغيرها فصارت مركبة بعد أن كانت متفرقة والتركيب هنا يراد به التأليف بين الأجزاء. والمعنى الأخص للتركيب هو ما يطلق على المركب الذي لا يمتزج فيه أحد الطرفين في الآخر كتركيب الباب في مواضعه مثلًا"ومعلوم أن عاقلًا لا يقول إن الله تعالى مركب بهذا المعنى الأول ولا بالثاني" [11] .
إن تنزيه الله عن التجسيم قائم على نفي التركيب - أيا كان معناه -"لأن المركب مفتقر إلى ما تركب منه وما تركب منه غيره، وواجب الوجود لا يفتقر إلى غيره، فواجب الوجود لا تركيب فيه" [12] .
وعلى هذا، فهو يقرر في جزم وقطع أن الرب موصوف بالصفات"وليس جسمًا مركبًا لا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة" [13] .