أ. د. مصطفى حلمي
خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - 24هـ-644م.
تمهيد:
بحثنا في الفصل السابق كيف أثبت أهل السنة صحة إمامة أبي بكر، وسنحاول في هذا الفصل أن نبحث موقفهم في الدفاع عن إمامة عمر بن الخطاب، لأن الشيعة في طعنهم في صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - باستثناء علي بن أبي طالب - جمعوا بين الصحابيين فقدحوا في إمامتهما معًا. وكذلك فعل الراوندية - وهم الذين تبرؤوا من أبي بكر وعمر، ورأوا أن أحق الناس بالإمامة بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس بن عبد المطلب وأجازوا بيعة علي لأن العباس أجازها بقوله: (هلم إليّ أبايعك فلا يختلف عليك اثنان) [1] .
لهذا اتجهت أبحاث مفكري أهل السنة إلى إثبات إمامة الصاحبين للتسوية بينهما (ولأنه لا خلاف أن أبا بكر إذا صلح للإمامة وثبتت إمامته أن عمر مثله) [2] .
ولكن ما السبب في انتقال الخلافة إلى عمر بن الخطاب بالعهد بواسطة الصاحب الأول؟ وكيف أقر متكلمو أهل السنة ومن اتبع منهجهم في الاستدلال على هذه الوسيلة كأحد الطرق التي ثبتت لها الإمامة مستندين على انعقاد إجماع الصحابة على صحتها؟ هذا ما سنحاول عرضه خلال هذا الفصل.
عهد أبي بكر لعمر - رضي الله عنهما:
تولى أبو بكر الخلافة عن طريق البيعة بعد المجادلات التي دارت في اجتماع السقيفة، فلما أحس بدنو أجله دعى الصحابة وأفضى إليهم بما يجول في خاطره، قال: (قد حضرتُ من قضاء الله ما ترون، وأنه لابد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم، ويقاتل عدوكم، ويقسم فيأكم) [3] إن الصديق تذكر ما حدث في اجتماع السقيفة وخشي على المسلمين إذا تركهم دون ولي من أن يفرط عقد الجماعة بصورة أخطر مما تمت عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن الاختلاف حينئذ كان محصورًا بين المهاجرين والأنصار، ولكن المسلمين في عهده انتشروا يجاهدون في العراق والشام، ويواجهون فارس والروم.