والغلو في القبور حيلة شيطانية من زمن نوح، وهو الشرك الذي وقع فيه قوم نوح. تبدأ العلاقة مع القبور بتقديس صاحب القبر رمز الصلاح والتقوى والمنزلة الرفيعة عند الله، ومن ثم تستحب زيارة تلك البقاع، ليس لتذكر الموت والآخرة، بل لتذكر الرجل الصالح والاعتبار به، ولأن هذه الأماكن مباركة، ولأن الملائكة (والأرواح) تنتشر حولها -كما يزعمون- فإن دعاء الله يحسن عندها، كما أن البركة تفيض على كل شيء حول القبر، فمن أراد التزود منها فليلمس وليقبِّل وليتمسح، فإذا فعل ذلك هبط إلى دركة تالية من دعاء الله عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به: أي اتخاذه (واسطة) أو (وسيلة) للاستشفاع به عند الله، فصاحب الضريح طاهر مكرم مقرب له جاه عند الله، بينما صاحب الذنب -أو الحاجة- يتلطخ في أوحال خطيئته غير مؤهل لدعاء الله، فإذا فعل ذلك هبط إلى دركة أخرى: فما دام هذا المقبور مكرما فليس بممتنع أن يعطيه الله القدرة على التصرف في بعض الأمور التي لا يقدر عليها طالب الحاجة، فَيُدْعَى صاحب القبر، ويرجى، ويخشى، ويستغاث به، ويطلب المدد منه، ولم لا؟! فهو صاحب (السر) الذي توجل منه النفوس، وترتجف له القلوب، وتتحير فيه العقول! فإذا فعل ذلك هبط إلى دركة -ليست أخيرة- حيث يتخذ قبره وثنًا، يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله واستلامه، والحج إليه، والذبح عنده، ثم ينقله الشيطان دركة أخرى: إلى دعاء الناس لعبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكًا، وإن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم، فيكون الشيطان بهذه الحيل قد تدرج بأهل البدع من نور الإسلام إلى ظلام الشرك.