وعن الشعبي قال: شهدت الحسن بن علي رضي الله عنهما بالنخيلة حين صالحه معاوية - رضي الله عنه - فقال معاوية: «إذا كان ذا فقُم فتَكلّم، وأخبِر الناس أنك قد سلّمت هذا الأمر لي» وربما قال سفيان: «أخبر الناس بهذا الأمر الذي تركته لي» فقام فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ـ قال الشعبي: وأنا أسمع ـ ثم قال: «أما بعد: فإن أكيس الكيس التُّقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما كان حقًا لي تركته لمعاوية، إرادة صلاح هذه الأمة، وحقن دمائهم، أو يكون حقًا كان لامرئ أحق به مني ففعلت ذلك {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء: 111] أخرجه ابن سعد في"الطبقات" (1/329) وأبو نعيم (2/37) والطبراني في"الكبير" (3/26) برقم (2559) واللفظ له، والبيهقي في"دلائل النبوة" (6/444) والحاكم في"المستدرك" (3/175) كلهم من طريق مجالد عن الشعبي، ومجالد "ليس بالقوي" ولكن يشهد له ويقويه ما رواه أحمد في"فضائل الصحابة"رقم (1355) وعبد الرزاق رقم (20980) وسنده صحيح إلى ابن سيرين قال: قال الحسن بن علي يوم كلم معاوية ما بين جابرس وجابلق (أي: ما بين المشرق والمغرب) رجل جده نبي غيري وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وكنت أحقهم بذاك، ألا إنَّا قد بايعنا معاوية، ولا أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
فدلت هذه الآثار على أن تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، كان لأمور عظيمة، وهي كالآتي:
1ـ إظهارًا وتحقيقًا للمعجزة التي أشار إليها الحديث: «إن ابني هذا سيد... الحديث»
2ـ استجابته لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ؛ وذلك عند ما سمع الحسن أبا بكرة يُذَكِّره بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المذكور آنفا.
3ـ زهده في الملك.
4ـ خوفه من أن يكون سببا في سفك دماء المسلمين.