فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 119

وبعدما رأيت مرتضى، وسمعت منه ما حدث له من التعذيب والطرد والتشريد وغيرها ثم ثباته واستقامته على عقيدته ودينه تيقنت بأن الذي يخلص في عمله ويدرك الحقيقة من قلبه وعقله يسهل عليه أن يترك كل شيء فداءً لها وحفاظًا عليها، ويتقبَّل الصعب والذلول بصدر رحب في سبيلها.

من أجل إخلاصه وصدقه كان يجذب إلى نفسه كل من جالسه وخالطه، وإذا جلس مجلسًا كان الناس يقبلون عليه ويستمعون إلى دروسه ومحاضراته بآذان صاغية وقلوب متفتحة؛ لأن كلماته كانت كالنور الساطع الذي ينوِّر قلوب السامعين له، ويبين لهم الطريق الهادي إلى الحق والحقيقة، وكنت أحد الذين استفادوا منه، وقد تعلمت منه دروسًا في الإخلاص والإيثار والاستقامة على الدين والعقيدة والفداء لأجل الغاية السامية التي هي أعزُّ عَليَّ من الدنيا وما فيها.

ولكن! للأسف الشديد بعد أن اشتدت عليه المحن وأحاطت به من كل صوب وضاقت عليه السبل هاجر بعيدًا إلى الديار المجهولة، وتركني مغمومًا حزينًا.

وفي اللحظات الأخيرة وهو يودع ابني الصغير الذي تعلّق به تعلّق الفرخ بأمه ويحتضنه ويقبِّله؛ شعرت بأنه قد تذكر ابنه الصغير «نويد» وقد تحلقت الدموع في عينيه، وانقطعت نبرات صوته، ولكنه كان عزيزًا في نفسه، معتزًا بإيمانه، فكان يتمالك نفسه ويتظاهر بالفرح والسرور، ويتصنَّع البسمة تلو الأخرى لئلا يعرف أحد بما يدور في خلجات صدره، وما يكنُّه فؤاده.

ولا أنسى أبدًا تلك اللحظات الأخيرة التي قضيناها معًا، ولا ذلك البيت الذي كان يُردده بصوته الحزين، يعبر فيه عن آلام الفراق، فكان يردد:

روزها فكر من اين است همه شب سخنم كه چرا غافل از احوال دل خويشتنم

وهي تعني:

تفكيري الدائم بالنهار وكلامي طوال الليل لماذا أنا غافل عن أحوال قلبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت