الصفحة 12 من 227

وبعد عهد التدوين جاء عهد «التصنيف» الذي يأتي بمعنى التأليف وترتيب الأحاديث حسب مواضيعها ، ويعد العهد الذهبي لتاريخ الحديث في الإسلام ، حيث نرى هنا أسماء مشهورة كأبي داود الطيالسي ، ومسدّد بن مسرهد والحُميدي وأحمد بن حنبل صاحب «المسند» ، ونرى من جانب آخر عبد الرزاق بن هَمّام وهو يؤلف «المصنف» ، كما قام ابن أبي ذئب والإمام مالك بتأليف «الموطأ» ، ويحيى بن سعيد القطّان ويحيى بن سعيد الأنصاري بتأليف كتبهم القيمة في هذا العهد الذهبي .

كان هؤلاء الأئمة الكبار شيوخ وأساتذة كبار المحدثين أمثال البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي ويحيى بن معين . وأخيرًا حان وقت تأليف الكتب الستة من قبل مؤلفيها العظام ، هذه الكتب التي عدت أوثق كتب الحديث ، وقد عاش معظم هؤلاء المؤلفين الكبارفي العصر نفسه تقريبًا . فقد كان البخاري شيخًا لمسلم ، وتتلمذ الترمذي على البخاري ، كما كان النسائي معاصرًا لأبي داود . ولم يكن بين هؤلاء العلماء الأجلاء وبين عهد الرسول ? سوى ثلاثة أو أربعة أجيال فقط ، ولم يكن من الممكن أن يخطر الكذب حتى على أحلام هؤلاء العلماء الكبار الذين كانوا يشكلون الحلقات الذهبية لهذه السلسلة النورانية .

وهكذا تم حفظ السنة التي تعد نصف الدين بأوثق شكل ، وبعيدًا عن كل شك وشبهة ومن قبل كبار المحققين الذين كانوا يزنون كل شيء ميزان الشعرة ، وقد بدأ هذا الحفظ من عهد الصحابة واستمر إلى عهد التابعين وتابعي التابعين ، ثم تدوينها وحفظها عن ظهرقلب والمحافظة عليها ثم تدوينها وتصنيفها ونقلها دون تغيير حرف منها حتى يومنا الحالي .

أجل ، لقد عرف الصحابة رضي الله عنهم قيمة السنة وأهميتها كمصدر ديني مهم وكمرشد لا يستغنى عنه وكمفسر مبارك للقرآن ، وانتقل هذا الاهتمام إلى التابعين وإلى تابع التابعين حتى وصلت السنة تحت ظل كل هذا الاهتمام والرعاية إلى الأجيال الأخرى وإلى عصرنا الحالي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت