الصفحة 36 من 227

وهذا التناقض الفظيع هو الذي حرض الشيخ الطوسي على تأليف كتاب التهذيب ، ثم لما اشتهر كتابه التهذيب سأله بعضهم أن يفرد الأحاديث المختلفة بالتأليف ، فصنف لهم كتابه الثاني الاستبصار الذي يكشف لنا اسمه الكامل عن حقيقة مغزاه ، فهو: الاستبصار فيما اختلف من الأخبار . أقول: إن تخصيص كتابين من أربعة كتب في الحديث لظاهرة الاختلاف في المتون لأوضح دليل على حقيقة مدى هذا الاختلاف ، لكن لا ينبغي أن نقف عند هذا الأمر الغريب ، بل لنطرح سؤالا آخر: ما ذا عسى أن يكون سبب هذا الاختلاف البشع الذي استنكرته تلك الجماعة من الإمامية الذين ناح الطوسي على تبرؤهم من التشيع الإمامي وتركهم لعقائده ؟ هذا - لعمرك - لهو السر الأعظم ! وتمهيدا لكشف السر أريد أن أصور للقارئ شيئا: تصور أن عندنا شخصًا ، وحول هذا الشخص مجموعة من المتحدثين باسمه ، إلا إنهم في الحقيقة يتقولون ويفترون عليه ما لم يقل ، وكل يتحدث مستقلا عن الآخر ، فلا يجتمعون فيما بينهم لتوحيد الكلمة ، وإن حصل مثل هذا التوحيد أحيانا فإنه في معظم الأحوال لا يحصل ، إذا كان الأمر كذلك فبالله عليك: أليس من الطبيعي أنه سيكون هناك تناقض وتباين بين ما يقوله هؤلاء الكذابون باسم هذا الشخص الواحد ؟ - خذ في الاعتبار كثرة التفاف الكذابين حول أئمة أهل البيت ، حتى إن الصادق قال: (إنا أهل بيت صادقون لا يخلومن كذاب يكذب علينا) ( [27] ) .

وخذ في الاعتبار أيضا مدى انتساب هؤلاء الرواة إلى فرق الغلاة الذين قال فيهم الصادق: (إن فيهم من يكذب حتى إن الشيطان ليحتاج إلى كذبه) ( [28] ) .

وخذ في الاعتبار أيضا أن عددا من أصحاب تلك الأصول الأربعمئة كانوا فاسدي المذهب ، وهذا المامقاني يقر بذلك حيث قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت