الصفحة 122 من 424

وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: « لما نزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي - إلى قوله: وأنتم لا تشعرون } وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت . فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا من أهل النار . حبط عملي . وجلس في أهله حزينًا . ففقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق بعض القوم إليه ، فقالوا له: تفقدك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالك؟ قال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بما قال . قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا . بل هو من أهل الجنة » قال أنس - رضي الله عنه -: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة .

يقول الاستاذ الشهيد سيد قطب في تفسيره"في ظلال القرآن"في تفسير سورة الحجرات:"فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب ، وذلك التحذير الرعيب؛ وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون . ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم ، فخافوه واتقوه!"

ونوه الله بتقواهم ، وغضهم أصواتهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعبير عجيب:

{ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى . لهم مغفرة وأجر عظيم } . .

فالتقوى هبة عظيمة ، يختار الله لها القلوب ، بعد امتحان واختبار ، وبعد تخليص وتمحيص ، فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها ، وقد ثبت أنه يستحقها . والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة . هبة التقوى . وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم .

إنه الترغيب العميق ، بعد التحذير المخيف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت