فهرس الكتاب
وَهَذَا الوَعْدُ قَدْ تَحَقَّقَ بِفَضْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ مَكَّنَ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ فِي الأَرْضِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي المَدِينَةِ وَفِي مَوَاضِعَ قَلِيلَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةَ جَاءَتِ الوُفُودُ مُبَايِعَةً مِنْ أَنْحَاءِ الجَزِيرَةِ، وَبَايَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ فِي الجَزِيرَةِ خَارِجَ المَدِينَةِ، وَكَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ كُفَّارًا فَنَصَرَ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى أَعْتَى دَوْلَتَيْنِ فِي هَذَا الوَقْتِ، وَهُمَا دَوْلَةُ الفُرْسِ وَدَوْلَةُ الرُّومِ، وَكَانَتْ هَزِيمَةُ هَاتَيْنِ الدَّوْلَتَيْنِ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللهِ البَالِغَةِ.
وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَجَالٌ مُطْلَقًا لِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ المُقَارَنَةِ البَتَّةَ فِي الجَانِبِ العَسْكَرِيِّ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الدَّوْلَتَيْنِ، لَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا نَصَرَ فَإِنَّهُ يَنْصُرُ الفِئَةَ القَلِيلَةَ، وَإِنْ قَلَّتْ عُدَدُهَا عَنِ الفِئَةِ الكَثِيرَةِ، وَإِنْ قَوِيَتْ عُدَدُهَا.
هَذَا الوَعْدُ قَدْ تَحَقَّقَ، وَاللهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ}
فَعَلَى يَدِ مَنْ تَحَقَّقَ هَذَا الوَعْدُ؟
عَلَى يَدِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ الَّذِينَ فَتَحُوا العِرَاقَ وَمِصْرَ وَالصِّينَ وَمَا وَرَاءَهَا، حَتَّى فُتِحَتْ قُبْرُصُ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَانْتَهَى الرُّومُ تَمَامًا مِنَ الشَّامِ، وَانْتَهَى الفُرْسُ مِنَ العِرَاقِ مِنْ أَنْحَاءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَشْرِقِ. وَمَا هَذَا إِلَّا وَفَاءُ اللهِ بِوَعْدِهِ.