فهرس الكتاب
من خصال أهل الجاهلية أنهم يقولون: إن سبب عدم قبولنا لما تقولونه أنا ما فهمنا، لا نستطيع أن نفهم هذا الذي تقولون ولا نستطيع أن نستوعبه، وبعبارة المتأخرين لا أستطيع القناعة به، لا يُمكن أن يُفهم، هذه من طرائق أهل الجاهلية إذا أتاهم الحق اعتذروا قالوا نحن فيما يتعلق بهذا الذي تقولونه إشكالنا أننا لا نستطيع فهمَه، تتحدثون وتبيِّنون وتمثلون أمثلة تدل على الأمر لكن لا نفهم هذا الذي تقولونه كله، استدل بأن اليهود قالوا: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، ما المراد بقوله تعالى {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ؟ من المفسرين من قال - كما ذكر ابن كثير رحمه الله - ذكر أن من المفسرين من فسر قولهم {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي لا تفقه، وقال بعضهم هذه الآية {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} كقوله تعالى عنهم {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} [1] ومن أهل العلم من قال: إنهم يقولون قلوبنا في غشاوة، والأقوال متقاربة، وهناك قول آخر أن المراد بقولهم {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي قلوبنا أوعية لكل علم فهي غُلُفٌ - بضم اللَّام - فهي لا تحتاج إلى علم، هذا ما قيل في الآية، والظاهر - والله أعلم - أن الصواب هو الأول وهو الذي رجحه ابن جرير رحمه الله تعالى بدلالة قوله تعالى عنهم {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} وبدلالة الآية بعدها {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} صريح، أي لا نفهم {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} فأكذبهم الله تعالى وردَّ عليهم بأن الذي حصل لهم ليس عدمَ القدرة على الفهم لأن هذا الذي يقال غير مفهوم، لا، الذي حصل أن الله تعالى طبع على قلوبهم وعاقبهم عقوبة والسبب كفرهم ومبادرتهم إلى رد الحق، ولهذا قال: بيَّن أن هذا بسبب الطبع على قلوبهم، وأن الطبع بسبب كفرهم، قال الله تعالى: {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [2]
(1) فصلت: 5.
(2) النساء: 155..