فهرس الكتاب
فإذا أخذهم أخذهم على حين بغتة، فالحاصل أنْ من خصال أهل الجاهلية الاغترار بالدنيا ومن نماذج ذلك أنهم يظمون انَّ الله تعالى إذا أعطى أحد فهو دال على رضاه، ولو كان الأمر كذلك لكان المعنى أنه قد رضي - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - على فرعون وعلى أهل الطغيان كقارون وأمثاله ممن أعطاهم الدنيا، فالدنيا قد حُذِّرنا من الاغترار بها، وقد صرعت كثيرين؛ صرع الاغترار بالدنيا كثيرين - عياذا بالله - فانقلبت عندهم الموازين والمفاهيم، تخلوا عن السُّنَّة إلى البدعة، تخلوا عن الهدى والالتزام بالحق والخير إلى التنصل من ذلك، قال عزَّ وجلَّ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [1] وإذا تأملت الأمرين - نعوذ بالله من الزيغ - إضاعة الصلاة واتباع الشهوات، تجد هذا في كثير من الناس، أمران مقترنان يضيعون الصلاة ويتبعون الشهوات، مُهَدَّدُون بقوله {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} إما إنه فتح له في مال؛ ولمَّا لم يكن عنده مال كان أكثر إقبالا على دينه وأكثر إقبالا على صلاته؛ فلما انفتحت عليه الأموال بدأ يتلاعب في الصلاة واتبع الشهوات ودخل حتى في الشهوات المحرمة مما كان ينكره في السابق - نعوذ بالله من الزيغ - ويعيب على أهله فصار من أوائل المتنافسين والمتسابقين في هذا الدرب والباب، فهذا من الاغترار في الدنيا، ولهذا قال الله عنهم: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} فجعلوا كثرة هذه الأموال والأولاد محل الفخر {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا} ورتبوا على هذا أنهم ليسوا بمعذبين، وكل هذا من الاغترار الذي حذَّر الله.
(1) مريم:59.