الصفحة 28 من 402

هذه الخصلة الثانية من خصال أهل الجاهلية ناشئة عن بعدهم عن التوحيد، فلما كانوا ملازمين للشرك ولأهوائهم ترتب على ذلك تفرقهم ولا بد، الأهواء كثيرة وصرف العبادة لغير الله عزّ وجلّ إذا وقع في الناس تفاوتوا، فمنهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الأنبياء ومنهم من يعبد الصالحين ومنهم من يعبد الكهوف والغيران ومنهم من يعبد الأشجار ومنهم من يعبد حتى الدواب والبهائم، بل منهم من يعبد حتى الشياطين ومنهم من يعبد الكواكب، فيتفرق الناس، فلا شيء يجمع الناس كالتوحيد، ولهذا هذه الأمة حتى تتوحد - وكثيرًا ما نسمع وحدة الأمة وحدة الأمة - لا يمكن أن تتحد الأمة إلا على توحيد، إذا لم يوجد التوحيد فلا يمكن أن تتوحد الأمة، إذا وجد التوحيد في طائفة من الأمة ووجد في طائفة أخرى الشرك؛ لا يمكن أن يجتمعوا، والذي يطلب أن يجتمع أهل الشرك مع الموحدين هذا يطلب المحال؛ لأن من الأمور المفروغ منها أن الموحد الذي يعي توحيده لا يمكن أن يُقرَّ الشرك، والذي قد عبد غير الله تعالى لا يرضى أن يُجهر بالتوحيد وأن يُحذر من الشرك، فأنى لهم أن يجتمعوا، لذا فهذا السراب الذي يعدو خلفه كثيرون ليوحدوا الأمة على غير أساس؛ هؤلاء قد أضاعوا أوقاتهم وأضاعوا نصيبهم ولم يظفروا بشيء ولو جمعوا الجموع الغفيرة على أحقاد وأدواء وتباغض فإنهم لا يفلحون ولا ينصر الله سبحانه وتعالى من هذا حالهم، لأن الأساس الأكبر في النصر هو أن يُوحد الله وهو الذي يجلب نصره سبحانه {إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ} [1] وأساس نصرك لربك تعالى هو بتوحيدك فما لم يكن موحدا فهو يكون أبعد ما يكون عن أن ينصره الله تعالى، فهذه الخصلة فيهم أنهم متفرقون في دينهم، قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [2] ،

(1) محمد: 7.

(2) المؤمنون: 53..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت