فهرس الكتاب
في الآية هذه الثانية أمرهم الله تعالى بالتفكر، التقليد يَحُوْلُ بين أهله وبين التفكر والتدبر والاعتبار، فإنه لو تأمل ما هو فيه من عبادة صنم نحته بيده وهو يعلم أنه ليس ربا للعالمين يدبره؛ وإنما هو صنم اتخذه هو بنفسه، فلو تفكر وتدبر وتأمل في أمره لعلم أنه في ضلال، وأدرك وأيقن أن هذا من أسوأ ما يكون من السفول والتردي؛ أن ينصب بيده صنما من خشب أو حجر ثم يقوم بالطواف له والسجود له وذبح القرابين له؛ أناس لا تفكر عندهم ولا فهم، فلهذا أمروا بالتفكر والتدبر لما هم فيه، فلذا لما تفكر من أراد الله تعالى هدايته وتدبروا في أمرهم علموا أنهم على ضلال مبين وتركوا ما هم فيه من الأصنام، ولهذا عمرو بن الجموح رضي الله عنه لما قام بعض شبان الأنصار بأخذ الصنم الذي كان يعبده وتدنيسه وتلويثه فأتى - وإذا به قد لُوِّث - فنظفه وغسله ثم إنهما - منهما معاذ بن جبل رضي الله عنه - أخذا هذا الصنم وربطاه في كلب ودلياه في بئر هو والكلب - والكلب ميت - فأخذا هذا الكلب ميتا وربطاه بالصنم ودلياه في البئر، أتى يبحث: ويحكم من أخذ ربنا وصار يبحث ويبحث فوجده مدلا مع هذا الكلب الجيفة في بئر، فعلم أن هذا لو كان يدفع عن أحد لدفع عن نفسه فأسلم بعد ذلك، فإذا تفكروا وتدبروا فيما هم فيه أيقنوا هذا، وهكذا أهل الكفر الآن لو تدبر هؤلاء الملاحدة والزنادقة في أمر هذا العالم وما جعل الله عزَّ وجلَّ فيه من الآيات والعبر والدلائل العظيمة التي جعلها الله تعالى قائمة في الأنفس، وجعلها سبحانه وتعالى في الآفاق كما قال سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [1]
(1) فصلت: 53..