فهرس الكتاب
حينما ندرس السيرةَ النبويةَ من هذه الزاوية، يهجم علينا عالم مليء بالمعجزات تتجلى فيه بشيء كثير من الوضوح طبيعة النبوة التي تشرَّفت بالتربية الإلهية مباشرة، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أدَّبني ربِّي فأحسنَ تأديبي» ( [70] ) .
ويتجلى فيه ذلك الخلق العظيم الذي شهد الله به قائلًا: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ) [القلم:4] ، ويتراءى فيه تسلسل السيرة النبوية الذي حفظه القرآن الكريم على لسان كل نبي في قوله: (( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) ( [71] ) .
وهذا السرُّ كان قد تفطَّن له قائد المملكة البيزنطية هرقل (Heraclius) (610 - 640) الذي كان نصرانيًا ولم يكن مسلمًا، غير أنه كان مطَّلعًا بوجه خاص على الكتب الدينية، وتاريخ الأمم والملل، فلما تلقى كتابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي وجهه إليه، أراد أن يعرف أحوال النبي صلى الله عليه وسلم لكي يقطع فيه رأيًا صحيحًا، وقد كان عنده في ذلك الحين أحد سادة قريش أبو سفيان، الذي كان يزور مملكته في تلك الأيام، فوجَّه إليه تساؤلات عديدة، ومن بين ما سأله عنه قال: (فهل كان من آبائه من ملك؟ فقال له: لا ثم لما علَّق هرقل على ما دار بينه وبين أبي سفيان من كلام، قال: وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. فقلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه) ( [72] ) .