الصفحة 42 من 91

لم تكن معاملةُ النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته وأقاربه تختلف فحسب عن معاملة السادة الماديين والمتفاخرين بالآباء والأنساب وعامة الحكام، الذين يخضعون لمبدأ (الأقرب فالأقرب) ، بل إنما كان يضاد سلوكهم، فقد كان مبدؤه الذي يعمل به أن المرء كلما كان أقرب إليه قدَّمه على الناس في ساعات الامتحان والأخطار، وأخَّره لدى تقسيم الغنائم وإعطاء الجوائز والأموال. ومن لا يدري أن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ووليد بن عتبة - الذين كانوا من كبار أبطال العرب ومحاربيهم- لما ناشدوا قريشًا وطلبوا المبارزة، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة، وعليًا، وعبيدة رضي الله عنهم، وقدمهم إلى المبارزة، على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف مكانة هؤلاء الفرسان المكيين جيدًا، وقد كان في المهاجرين عدد من الأبطال والفرسان ممن كانوا يستطيعون أن يبارزوهم بحق، إن هؤلاء الهاشميين الثلاثة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرحم والقربى، وأحب إليه وأعزَّ لديه، بعثهم مبارزين، ولم يخاطر بغيرهم تفاديًا لهم من الخطر، وكتب الله سبحانه وتعالى لهم الغلبة من الخطر والانتصار على العدو، ورجع علي وحمزة رضي الله عنهما مظفرين منتصرين، وجيء بعبيدة رضي الله عنه جريحًا.

وقد جاء في كلام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يؤيد ذلك، إنه يقول في كتاب له: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا احمرَّ البأسُ وأحجمَ الناس، قدَّم أهلَ بيته فوقى بهم أصحابه حرَّ الأسنة والسيوف، فقُتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وقُتِل حمزة يوم أحد، وقُتِل جعفر يوم مؤتة) ( [74] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت