فهرس الكتاب
وكانوا أعزَّ وأكرم عند الجمهور من كثير من أصحاب الجاه والنفوذ والثروة، وحتى من الخلفاء والأمراء في بعض الأحيان، ويمكن أن يقال: إنَّ نفوذ الخلفاء والأمراء كان محصورًا في دائرة خاصة هي الدائرة السياسية، ودائرة الطبقة التي تسمى في هذا العصر (الطبقة الأرستقراطية) ، أما خارج هذه الدائرة وفي ما عدا هذا الوسط فكان يسود فيه أهل الصلاح والعلم وأهل الزهد والتقوى والصالحون والعلماء من أبناء الصحابة والسادة من أهل البيت النبوي، فإذا اجتمع من يمثِّل هذه الطبقة الصالحة من سادات التابعين وأهل العلم والدين، ومن يمثل الحكومة والإمارة والجاه والسلطان، غلب سلطان الدين والسلطان الروحي على سلطان السياسة والحكم.
يمثل ذلك أجمل تمثيل ما وقع لهشام بن عبد الملك يوم كان ولي العهد، مع سيدنا علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، فقد روى المؤرخون: أن هشام بن عبد الملك حج في أيام أبيه وطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فَنُصِبَ له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكان من أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم أرجًا، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحّى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام فيملِّكوه، وكان الفرزدق حاضرًا فقال: أنا أعرفه، فقال الشامي: مَنْ هو يا أبا فراس؟ فقال قصيدته السائرة التي مطلعها ( [135] ) :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم