الصفحة 64 من 91

ويبدو أن هؤلاء السادة الكرام لو لم يجر في عروقهم الدم الهاشمي لما قدروا بالكلية على رفع راية الجهاد ضد الخلفاء العباسيين الذين كانت تشمل دولتهم الرقعة الواسعة المتمدنة في آسيا وإفريقيا، وكان الإسلام يصل عن طريقهم إلى أقطار العالم البعيدة مع استِتْباب الأمن في مقر الخلافة وانتشار العلم الديني وتحقق جزء كبير من تعاليم الإسلام، فلمّا قدّروا ذلك تجنبوا إثارة أي اضطراب أو إهراق دم لا ينتج ثمارًا يانعة في الظاهر -كمجهودات من سبقهم من آبائهم الكرام ذوي الجلادة والفتوة- لذلك فإن سكوتهم هذا واشتغالهم بقيادة المسلمين الدينية ونشاطهم في تربيتهم الخلقية والباطنية، لم يكن مؤسسًا على تساهل أو انزواء إلى الدعة والراحة، ولا على العمل بأصول (التقيَّة) التي نُسبت إلى هذه الشخصيات العملاقة، والتي قد مر بعض تفاصيلها في الصفحات الماضية.

ويحسن أن ننقل هنا ما قد جاء بمناسبة بيان هذه الحقيقة التاريخية في الجزء الأول من كتابنا رجال الفكر والدعوة في الإسلام:

(يجب أن لا ننسى أن الدين كان لا يزال له السلطان الروحي والمكانة الأولى في قلوب الناس حتى في هذا العصر -عصر بني أمية وبني العباس- وكان الجمهور من الناس ينظر بإجلال إلى العلماء وإلى أصحاب الدين والاستقامة والخلق، ومن أُنِسَ فيهم الزهد في حطام الدنيا والابتعاد عن أصحاب الحكم والسلطان وعفافًا وقناعة وترفعًا عن المطامع والمناصب، واشتغالًا بالدعوة إلى الله، ونشرِ العلم، والنصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت