الصفحة 15 من 295

وبعد أن رحلت روحه المطهرة إلى الملأ الأعلى، ثم وجد خلفه الكريم الإمام الحسن نفسَه غير متمكِّنٍ من إدارة أمور المسلمين لقلّة الناصر وعداوة العدوّ الشرس قرَّر أن يتنازل لمنافسه الداهية المكَّار بكل كرمٍ وزهد في الرئاسة عن منصب الخلافة، حفاظًا على وحدة عالم الإسلام. ولو لم تكن حقارة فطرة يزيد بن معاوية وخبث طينته وانتهاكه السافر لحريم المحرمات الإلهية، ولو لم يدعُ أهلُ الكوفة الإمامَ الحسين لاجتثاث الظلم والقضاء على الجور لما قبل ببيعتهم له ولما نهض ذلك النهوض ولسار على درب أبيه الكريم والجليل الذي كان يقول: «لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز!» [1] .

وإذا رأينا أن بعض أبناء ذلك الإمام الهمام وأحفاده الكرام نهضوا معترضين على حكومات عصرهم الظالمة بل قام بعضهم بثورات مسلحة دموية فإن ذلك لم يكن إلا لرؤيتهم أن أحكام الإسلام لا يُعْمَل بها ولا تُراعى التعاليم والقواعد التي أرست بنيانها الشريعة المطهرة في السياسة والحكم وإلا فإن لسان حالهم كان يقول مثل قول جدهم: «وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز» . أي أن أولئك الأجلاء الكرام كانوا ينظرون إلى الدنيا وإلى الحكم كما ينظر الرجل العاقل إلى الريح الذي يخرج من مقعد العنزة أو المخاط الذي يخرج من أنفها!

وإذا صدر عن بعضهم شيء في هذا الصدد كان مثل ما قاله علي (ع) لعمه العباس عندما رجع من عند عمر: «وَاللهِ مَا بيَ رَغْبَةٌ فِي السُّلْطَانِ وَلَا أُحِبُّ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لِإِظْهَارِ العَدْلِ، وَالقِيَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» [2] .

(1) نهج البلاغة، الخطبة 3.

(2) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 9/ص51. والمجلسي، «بحار الأنوار» ، ج 31/ص 69. (تر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت