الصفحة 17 من 295

إذن لم تكن مسألة «الإمامة» في بداية الأمر موضع اهتمام أولياء الله ولكن مع مرور الزمن واختلاط المسلمين بأتباع الملل الأخرى وشعوب الأمم المجاورة في بلاد فارس والروم ورؤية الناس لما كانت تقدِّمه تلك الشعوب لقياصرتها وملوكها من إجلال وتعظيم وتمنحه له من مقام وجبروت بدأت مسألة الإمامة تأخذ منحىً آخر وأصبحت موضع عناية واهتمام طلاب اللذائذ والشهوات. ولا يخفى الحال الذي يكون عليه المحرومون والخاسرون في الصراعات السياسية على الحكم وكيف أنهم عندما يخسرون في ميدان السباق فإنهم لا يجلسون صامتين، بل يحاولون في كل مناسبة أن يعبِّروا عن عُقْدَتِهِم بكل الوسائل المتاحة لهم والتي أسهلها اللسان والقلم اللذان يُستخدمان للانتقام من منافسيهم وتلبية نار الحسد تجاههم، فيصولون ويجولون في هذا الميدان ثم يورثوا ذلك لمن يخلفهم من بعدهم، وهذا ما حصل وتواصل حتى وصلنا إلى هذه النتيجة التي نجدها اليوم!

في أيامه الأولى لم يخرج أمر النزاع على الخلافة عن حالته الطبيعية كثيرًا. كان بعضهم يعتبر أن معيار الأهلية لذلك المنصب هو -حسب سنن الجاهلية- كِبَر السن والوراثة، أما الذين تشبَّعوا بتعاليم الإسلام فكانوا يرون أن معيار الأهلية للخلافة يكمن في العلم والسوابق المشرقة في الإسلام فكانوا يبحثون عن المؤهَّلين لذلك المنصب بين مجاهدي بدر وأحد كي يطبِّقوا أحكام الدين في الأمّة من إقامة للصلاة وجباية للزكاة وتأمين للحدود والثغور ونصرة للمظلوم وضرب على أيدي الظالمين والقيام بفريضة الجهاد وأمثالها وكان الذين نالوا منصب الخلافة إنما يحترمون ذلك المنصب من خلال التشبُّث بتلك المعاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت