الصفحة 20 من 295

لو اقتصرت الخسائر والآثار السلبية الدنيوية التي سببها النزاع حول مسألة «الإمامة» على ما ذكرناه لهان الأمر، ولكن الأمر لم ينته عند ذلك الحدّ، ولم تقتصر الخسائر على وقوع الفرقة بين أبناء أمة الإسلام ونشوب النزاعات الدموية بينهم، بل امتدّ الخَطْبُ أخيرًا إلى خسائر لا يمكن تعويضها، وإلى إثم لا يمكن -بنص القرآن الكريم وبرهان العقل السليم- غفرانه، ألا وهو ما دخل مذهب التشيُّع من غلوّ وإفراط في هذا المجال أصبح مادة خصبة لدفعِ مخالفي مذهب التشيُّع إلى اعتبار الشيعة مشركين غير مسلمين وإعطائهم مبررات للمزيد من الجرأة والجسارة في تضليلهم، فقد صارت الأفكار المغالية المدسوسة من قبل الغلاة حججًا ومستندات قوية لأعداء الشيعة تجعلهم أكثر جرأة في إذلال [عامَّة] الشيعة وتحقيرهم وقتلهم وتدميرهم مما يؤدي بلا شك إلى الخسران الأخروي الأبدي لفاعليه. لقد قام بعض الغلاة بإحياء الوثنية وتعدد الآلهة بصورة جديدة ووسَّعوا أمر «الولاية» - التي لا تعني في الأصل سوى المودة والمحبة ويمكن التوسع في معناها لتشمل الرئاسة- فأوصلوها إلى «الولاية التشريعية» ثم وسَّعوها لتصل إلى «الولاية التكوينية» !! وهكذا رفعوا مقام أئمّة الإسلام الذين كانوا هداة للأنام فحسب إلى حد القَيُّومية على أمور العالم والنيابة عن الله والوزارة له في تدبير الكون بل الولاية المطلقة في تسيير أمور عالم الإمكان! وبذلك تم إحياء عقائد «المفوِّضَة» [1]

(1) أجمع علماء الشيعة الأصوليون المحقِّقون على تكفير الغلاة وتضليل أقاويلهم حتى قال مرجع الشيعة الإمامية الأعلى في عصره السيد أبو القاسم الخوئي (رح) في فتواه الشهيرة حول المفوِّضة الغلاة: «..إن الكتاب العزيز (أي القرآن) يدلُّ على أن الأمور الراجعة إلى التكوين والتشريع كلّها بيد الله سبحانه (إلى أن قال) : فهذا الاعتقاد [أي الغلوّ والتفويض] انكارٌ للضروري..فيبتني كفر هذه الطائفة [الغلاة والمفوضة] » ..هذا وقد عقد الشيخ الصدوق (محمد بن علي بن بابويه القمي) (381هـ) في كتابه «اعتقادات الإمامية» الذي يُعَد الكتاب الأساسي والأهم والأقدم في بيان عقيدة الشيعة الإمامية، بابًا خاصًا (الباب 37) في نفي الغلوّ والتفويض، وأورد فيه أحاديث عديدة عن الأئمة يبرؤون فيها ممن ينسب إليهم مثل هذا الأمر ويلعنونه، وقال: «اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنهم كفار بالله جل جلاله وأنهم شر من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلة، وأنه ما صغَّر الله جل جلاله تصغيرهم شئ، وقال جلّ جلاله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ المَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ؟؟} (آل عمران: 79-80) ..» . ثم أورد الصدوق أحاديث عديدة عن الأئمة يبؤونت فيها ممن ينسب إليهم مثل ذلك المقام [مقام التفويض] ويلعنون القائلين به. من ذلك هذا الحديث المروي عن الإمام الرضا (ع) أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني بري ء من الحول والقوة ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم إني أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادَّعوا لنا ما ليس لنا بحقّ. اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا. اللهم لك الخلق ومنك الرزق وإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين. اللهم لا تليق الربوبية إلا بك ولا تصلح الإلهية إلا لك فالعن النصارى الذين صغَّروا عظمتك والعن المضاهئين لقولهم من بريتك. اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولاحياةً ولا نشورًا. اللهم مَنْ زَعَمَ أنَّا أربابٌ فنحنُ منه بَراءٌ ومَنْ زَعَمَ أن إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براءٌ منه كبراءة عيسى ابن مريم عليه السلام من النصارى. اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما يدَّعُون ولا تَدَعْ على الأرضِ منهم دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا» . وروي عن زرارة أنه قال: «قلت للصادق عليه السلام: إن رجلًا من وُلْدِ عبد الله بن سبأ يقول بالتفويض فقال عليه السلام: ما التفويض؟ فقلت يقول: إن الله عز وجل خلق محمدًا ? وعليًا (ع) ثم فوَّض الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأحييا وأماتا، فقال (ع) : كذب عدو الله، إذا رجعت إليه فاقرأ عليه الآية التي في سورة الرّعد، ?أَمْ جَعَلُواْ لِلهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ? (الرعد/16) فانصرفتُ إلى الرجل فأخبرته بما قال الصادق (ع) فكأنما ألقمته حجرًا، فقال:وكأنما خرس» .]] انتهى. الشيخ الصدوق، «اعتقادات الإمامية» /باب الاعتقاد في نفي الغلو والتفويض، ص74 فما بعد، والمجلسي، «بحار الأنوار» : ج 25/ ص 341 - 344.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت