الصفحة 19 من 295

مع ذلك فإن مَنْ كانوا أكثر مَلَكِيَّةً من الملك! جعلوا من موضوع «الإمامة» موضوعًا مثيرًا بشدَّة للاختلاف والنزاع وأشعلوا لأجله نيران الفتنة والفساد إذْ كانوا يحاولون مرَّةً تِلْوَ الأخرى أن يدفعوا بعض أولئك الأئمة المحبوبين والمشهورين من أولاد علي بن أبي طالب (ع) إلى الثورة ضد حكام زمانهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وكلّما أوصلوا إمامًا إلى يد العدو حتى تمكن من قتله، ذهبوا نحو إمام آخر ليدفعوه إلى الثورة والمصير ذاته!!

ولما لم تؤدِّ تلك الحركات إلى نتيجة، باستثناء حكومتين أو ثلاث لأولاد علي وفاطمة في مصر واليمن وبعض البلاد الأخرى، ونشأت فرق متعددة وطوائف مختلفة باسم الشيعة في أنحاء بلدان العالم الإسلامي وكانوا يَدْعُون الناس للانضمام إليهم باسم الأئمة من أولاد علي (ع) ، ولم يقتنعوا بالحكومات القائمة بسبب ما وضعوه من شروط عجيبة ومخترعة لمنصب الإمامة والرئاسة، فكانوا يتحجَّجُون ويسعون في الواقع نحو غايات أخرى! وفي الوقت ذاته كانوا يُضيِّقون دائرة شروط الوصول إلى الحكم أكثر فأكثر، من خلال كتابة الكتب التي أخذوا يضعون فيها شروطًا عجيبةً للإمام، إلى أن وصل الأمر في النهاية إلى أنهم حُبِسوا داخل الشبكة التي نسجوها بأيديهم حتى فقدوا في النهاية الحكومة الشرعية الحقَّة التي كانوا يحلمون بها ويدعون إليها والتي وضعوا لها كل تلك الخيالات والأوهام في أذهانهم! [1] وهكذا تعطَّلت أحكام الإسلام العظيمة والحياتية وهُجر العمل بها، ومن الجهة الأخرى كان المتشرعون وطلاب الحكومة الحقَّة في نزاع ومعارضة وتمرّد مستمرّ ضدّ حكومات وقتهم بسبب عدم التزامها بالإسلام.

(1) راجع كتابنا «الحكومة الإسلامية» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت