الصفحة 23 من 295

ومنذ ذلك الحين نشأت فرق الغلاة ضمن الإسلام كالمنصورية والخطابية والشلمغانية والنصيرية، فهؤلاء لما كانوا لا يستطيعون أن يصرفوا النظر عن شهواتهم ويكبحوا نفوسهم الأمارة بالسوء ويمتنعوا عن اللذات المحرمة، أو لما لم يكونوا يعتقدون من الأساس بالمبدأ والمعاد (أي بالله واليوم الآخر) وكانوا يرومون الحصول على لذاتهم وإشباع شهواتهم من أموال الآخرين ونسائهم وولدانهم، وكانوا يَرَوْن أن عقائد الناس الدينية تحول بينهم وبين الوصول إلى تلك الرغبات، لذا اخترعوا أساطير باسم الدين وافتروا أكاذيب وألقوا بين العوام عقائد مغالية ليجعلوهم مستعدين للتجاوب مع رغباتهم ومآربم.

واليوم أيضًا لو لاحظنا الأمور بدقة لرأينا أن الأشخاص الذين ينسبون إلى الأئمة امتلاكهم للولاية التكوينية والقدرة على التصرفات المطلقة في عالم الوجود والذين يعتبرون الأئمة «أمراء الكون» ، هم أشخاص أدركوا أن لا سبيل لهم إلى إرضاء إلهٍ عليم وبصير ولطيف وخبير ومنزه عن العواطف البشرية وعن الأب والولد، ولا سبيل إلى الوصول رغباتهم عن طريقه لأنه إلهٌ [غنيٌّ عن العالمين] لا يؤثر فيه التملُّق والإطراء، بل قد وضع لكل عمل أجرًا ولكل تصرف جزاءً أو ثوابًا وقال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة/7، 8] ، وقال أيضًا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت/46] و [الجاثية/15] .، وقال كذلك: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران/30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت