الصفحة 25 من 295

أقول لما رأى غلاة زماننا أنهم لا يستطيعون التأقلم مع مثل هذا الإله وأن يراقبوا كل صغيرة وكبيرة من أعمالهم، عمدوا إلى الغلو في الأئمة فرارًا من عذاب الضمير، واخترعوا أحاديث عجيبة بل أكاذيب فاضحة بعيدة عن المنطق والعقل والشرع، ورفعوا بعضًا من أولياء الله إلى مقام الإلهية! ثم فتحوا باب شفاعتهم للمؤمنين وجعلوه واسعًا بوسع السماء والأرض! كي تشملهم هذه الشفاعة وتجعلهم في مأمن من التعرض لجزاء أعمالهم القبيحة وتجعلهم مستحقين لجنات الخلد وأعلى درجات العليين بل في درجة يصبحون فيها دائنين لِلَّهِ!

وما أحسن ما فهمه سلمان الفارسي الذي قال عنه الإمام محمد الباقر - عليه السلام - سلمانُ المحمدي، إن سلمان منَّا أهلَ البيت، وقال: إنه كان يقول للناس: «هربتم من القرآن إلى الأحاديث، وجدتم كتابًا رقيقًا حوسبتم فيه على النقير والقطمير والفتيل وحبة خردل فضاق ذلك عليكم وهربتم إلى الأحاديث التي اتسعت عليكم.» [1] .

أجل لقد روّجوا سوق الأحاديث الموضوعة التي تقول إن المسلم يمكنه أن يصل إلى أعلى درجات الجنان وأن يُعفى من المجازاة على جميع السيئات بقراءة دعاء أو زيارة قبر أو ذرف دمعة حتى لو كان ذلك رياءً! وهو ما سنشرحه لاحقًا إن شاء الله ونبيِّن أن القرآن بعيد كل البعد عن هذه الادعاءات الباطلة.

كان ذلك الدافع للغلوّ دافعًا شيطانيًا في الواقع بل كان في الحقيقة هو ذلك الغرور الذي يلقيه إبليس في النفوس ليجرّها عن طريق الدين [المحرَّف] نحو جهنم. إنه الغرور ذاته الذي حذَّر الله الإنسانَ من أن يوقعه الشيطان فيه فقال: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء/120] .

(1) رجال الكشي، ص/ 18. (تر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت