4-وأما استدلالهم بإعفاء ابراهيم عليه السلام من ذبح ابنه عليه السلام، فهو دليل على إثبات النسخ حيث إن الله كلف ابراهيم عليه السلام بتكليفٍ، ثم نسخه عنه قبل تنفيذه، وهذا كنسخ أي حكم من الأحكام، أو أمر من الأوامر التي أمر الله بها ثم نسخها. يقول الإمام الرازي:"إنه سبحانه وتعالى أمره بالذبح، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل حضور وقته ... واحتج أصحابنا على أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر ابراهيم عليه السلام بذبح ولده ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه" (51) . إن هذا من باب ما يأمر الله به ولا يريد وقوعه ولذلك حصل الفداء الذي يقوم مقام ذبح الذبيح كما حصل في فداء والد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمئة ناقة . يقول الامام الرازي:"إن الله قد يأمر بما لا يريد وقوعه والدليل عليه أنه أمر بالذبح وما أراد وقوعه ... وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فإنه يقع، وحيث لم يقع هذا الذبح علمنا أنه تعالى ما أراد وقوعه" (52) .
5-ويُرد على استدلالهم بقصة الثلاثة من بني اسرائيل الأبرص والأعمى والأقرع بقول الإمام ابن حجر العسقلاني في تعليقه على الحديث:" (بدا لله) بتخفيف الدال المهملة بغير همزة، أي سبق في علم الله فأراد إظهاره، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافيا؛ً لأن ذلك محال في حق الله تعالى، وقد أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بهذا الإسناد بلفظ (أراد الله أن يبتليهم) فلعل التغيير فيه من الرواة، مع أن في الرواية - أيضًا - نظر؛ لأنه لم يزل مريدًا . والمعنى أظهر الله ذلك فيهم، قيل معنى أراد: قضى . وقال صاحب (المطالع) ضبطناه على متقني شيوخنا بالهمز، أي ابتدأ الله أن يبتليهم ... وأولى ما يحمل عليه أن المراد قضى الله أن يبتليهم" (53) .