فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 51

... وهذا استدلال في غير موضعه؛ لأن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات، لا فرق عنده سبحانه، وقد استخدم القائلون بالبداء هذا الدليل القرآني، وأولوه ليثبتوا أن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلاّ بعد وقوعها وهذا القول ظاهر البطلان نفاه جمهور علماء الإسلام، حيث قال الإمام الرازي:"وأما جمهور علماء الإسلام فقد استبعدوا هذا القول وقالوا إنه تعالى من الأزل إلى الأبد عالم بجميع الجزئيات، فالابتلاء والامتحان محالان عليه وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان ذلك على سبيل الابتلاء والامتحان" (67) .

وقال الإمام الشوكاني:"والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان" (68) .

7 -وأما استدلالهم على البداء بالدعاء فَيرُد عليهم بأن الدعاء عمل أمرنا الله تعالى به لا على أنه يرد قدرًا ولا أنه يكون من أجله ما لا يكون، ولكن الله عز وجل جعل في سابق علمه الدعاء الذي سبق في علمه قبوله يدعو به الإنسان فيكون سببًا لما سبق في علمه كونه، كما جعل في سابق علمه الغذاء بالطعام والشراب سببًا لبلوغ الأجل الذي سبق في علمه البلوغ إليه وكذلك سائر الأعمال، وقد قال تعالى أنه يعلم آجال العباد بقوله: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } (الأعراف: من الآية34) ، ومع ذلك جعل تعالى الأكل والشرب سببًا في استيفاء ذلك المقدار، وكل ذلك سابق في علمه والدعاء هكذا، وكذلك التداوي على سبيل الطب (69) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت