فباطن القُرْآن كما صُرِّحَ به في هذه الرواية هو عمق مفاهيمه، وذلك يُدْرَك بالتدبُّر والتأمُّلِ. وأمَّا ما حُكِيَ في الروايات الشاذَّة عن باطن القُرْآن مما لا يدلُّ عليه الكتاب بوجهٍ من الوجوه، فليس من باطن كتاب الله عزَّ وجلَّ، فكيف يُعَدُّ من معاني القُرْآن ما لا يدلُّ القُرْآن عليه بدلالةٍ لفظيَّةٍ ولا معنويَّةٍ؟! والأقرب أن تلك الروايات الشاذَّة من وضع الباطنيَّة والفرق الضالَّة، وضعوها للتغرير بالنَّاس ودعوتهم إلى مذاهبهم المبتدعة.
تَيْسير فَهْمِ القُرْآن ورأيُ عَلِيٍّ عليه السلام في ذلك
ذهبت طائفة من المسلمين إلى أن القُرْآن الكريم بعيدٌ معناه عن فهم البشر لا يدركه إلا النبيُّ الخاتم والإمام المعصوم. وهذا رأيٌ غير سديدٍ وظاهر البطلان يخالف دعوةَ الله تعالى عباده إلى التفكُّر في القرآن ليعلموا أنَّه الحقُّ من ربِّهم، ويُضَادُّ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك كما رواه عنه عليُّ بن أبي طالب عليه السلام: فأما دعوة الله تعالى فتجدها في قوله العزيز: (( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) ) [القمر:17-22-32-40] .
وقوله تعالى: (( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) ) [ص:29] .
وقوله عزَّ شأنه: (( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ) ) [النساء:82] . ومثله قوله تعالى: (( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ) [محمد:24] .