قلت: والعلماءُ المعتَبَرون فهموا واستنبطوا من الحديث منقبةً لمعاوية رضي الله عنه، فصنيعُ الإمام مسلم صريحٌ في ذلك، وأكّد عليه الإمامُ النووي في تبويبه وشرحه للصحيح، فقال (16/156) :"وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيرُه من مناقب معاوية؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له"، وأشار لهذا البيهقي في دلائل النبوة (6/243) وعنده زيادة:"فما شبع بطنه أبدا"، وكذلك قرن الحديثين معًا الحافظُ الذهبي في السير (3/124 و14/130) ، وفي تذكرة الحفاظ (2/699) ، وابنُ كثير في البداية والنهاية (11/402 ط. التركي) وغيرُهما، وعدُّوه من فضائل معاوية [11] .
وقال ابن كثير:"وقد انتفعَ معاويةُ بهذه الدعوة في دُنياه وأُخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرًا كان يأكلُ في اليوم سبعَ مرات، يُجاء بقصعةٍ فيها لحمٌ كثير وبصلٌ فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: (والله ما أشبع، وإنما أعيا) ، وهذه نعمةٌ ومعدةٌ يرغبُ فيها كلُّ الملوك".
وقال عبد الله بن جعفر بن فارس في زياداته على مسند الطيالسي (4/465 ط. التركي) :"معناه -والله أعلم: لا أشبعَ الله بطنَه في الدنيا حتى لا يكونَ ممّن يجوعُ يومَ القيامة، لأن الخبرَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: أطولُ الناس شبَعًا في الدنيا أطوَلُهم جُوعًا يومَ القيامة".