وقد بالغ النوويُّ هنا في الرد على من زعمَ أن ذلك كان في حجة الوداع فقال [شرح صحيح مُسلم 8/231-232] :"هذا الحديث محمولٌ على أن معاويةَ قصَّر عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجِعْرانَة، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارِنًا، وثَبَتَ أنه حَلَقَ بمِنى وفَرَّقَ أبو طلحةَ شَعرَهُ بين الناس، فلا يَصحُّ حَملُ تَقصير معاويةَ على حجَّة الوَداع، ولا يَصحُّ حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعةِ سنة سبعٍ، لأن معاويةَ لم يكن يومئذٍ مُسلما، إنما أسلم يومَ الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصح قولُ مَن حَمَله على حجة الوداع؛ وزعم أن النبَّي صلى الله عليه وسلم كان متمتِّعا، لأن هذا غلطٌ فاحشٌ، فقد تظاهرت الأحاديثٌ في مُسلمٍ وغيرِه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قيل له: ما شأنُ الناس حَلُّوا من العُمرة ولم تحلَّ أنتَ من عمرتك؟ فقال: إني لبّدتُ رأسي وقلَّدتُ هَدْيي، فلا أُحِلُّ حتى أَنْحَر". [انتهى كلام النووي، قال ابن حجر:]
"قلت: ولم يذكر الشيخُ هنا ما مرَّ في عمرة القضيَّة، والذي رجَّحه من كون معاوية إنما أسلمَ يوم الفتح صحيحٌ من حيث السند، لكن يمكن الجمعُ بأنه كان أسلمَ خفيةً، وكان يكتُم إسلامَه، ولم يتمكن من إظهارِه إلا يومَ الفتح، وقد أخرج بن عساكر في تاريخ دمشق من ترجمة معاوية [59/66 و67 وانظر ص57 و60 و62 وقد ذكره غير واحد قبله] تصريحَ معاويةَ بأنّهُ أسلمَ بين الحُدَيبية والقضيَّة، وأنه كان يُخفي إسلامَه خوفا من أبويه، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما دَخَل في عُمرة القضيَّة مكة خرجَ أكثرُ أهلِها عَنها حتى لا ينظرونَه وأصحابَه يطوفونَ بالبيت، فلعلَّ معاويةَ كان ممّن تخلَّفَ بمكة لسَبَب اقتَضاه."