الصفحة 23 من 27

-والشيعي الإمامي وهو يستعرض هذه السيرة لعليّ - بلا حياء ولا استحياء - لا بد له - كالعادة - أن يُخْرِجِ نفسه من مطباتها في لوازم المتابعة والمسايرة، وتوابعها في دفع الإمامة ونقضها، فما يجد بدًّا من التعقيب على ذلك كله تعقيبًا سمجًا لا يقل عن قبح الخاتمة التي يختم بها حديثه في المقامات والأحوال، فيقول:"كل ذلك بأمر رسول الله له ووصيته له بالسكوت والإذعان والاستسلام".

فكان في الأولى صاحب الولايات والمقامات والدرجات التي لا تنتهي (بإذن الله) ، وفي الأخرى في المهلكات والدركات (بوصية رسول الله) ، فيا للعجب الذي لا ينقضي مع الإمام والأئمة، ولا ينتهي!!!

وضاعت حقيقة عليّ والأئمة بين الإذن والوصية، فتدبروا!!!

حقًا ... عليٌّ - هنا - ليس عليًّا هناك، وعليّ هذا ليس عليًّا ذاك؛ فقد ذهبت حقوقه واختفت مقاماته ومعالمه، واندرست علاماته وشاراته، وتجرّد من كل شيء، ولم يستطع استعادة شيءٍّ منها في حياته ولا بعد مماته؛ حتى احتاج إلى شيعته ليطالبوا له بحقّه، ويستردّوا له مفقودَه، ويردّوا له ظلامته ومظلوميته، ويثأروا له من أعدائه؛ فهم لأجل ذلك نصبوا له - ولأهل بيته - المنائح والأحزان، وبذلوا لهم الدموع والأشجان، ليستميلوا لهم قلوب الناس، ويستدروا لهم عطفهم وشفقتهم؛ فهم يبكون مظلوميته ليلًا ونهارًا، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم وبطونهم، يلطمون لهم صدورهم ووجوههم، ويشقون لهم رؤوسهم، ويسلخون لهم ظهورهم؛ لأن مأساة الإئمة بفقد مجدهم وسؤددهم لا يعوضها إلا ماء الشؤون الغزيرة، وبحر الدماء الفائرة الثائرة الحسيرة.

وأولاد عليّ وذريته؛ لم يكونوا أفضلَ حالًا من أبيهم؛ كان دينهم وديدنهم مجاملات لأعدائهم واسترضاءً لشانئيهم، لا يُسأل أحدُهم عن مسألة إلا تلفّت يمنةً ويسرةً قبل أن يجيب؛ خوفًا ورعبًا، وكانت أحكامهم وفتاواهم تبعًا لحالات القلق والأمان والاستقرار والاضطراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت