الصفحة 15 من 33

إن معاوية رضي الله عنه قد انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه ، واجتمعت عليه الكلمة ودانت له الأمصار بالملك ، فأي نفع له في سب علي ..؟ بل إن الحكمة وحسن السياسة تقتضى الامتناع عن ذلك , لما فيه من تهدئة النفوس , وتسكين الأمور , ومثل هذا لا يخفي على مثل معاوية رضي الله عنه ؛ الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير ..

إنه من المعلوم فيما صح من علوم التاريخ ؛ أنه قد كان بين معاوية بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي رضوان الله عليهم أجمعين ؛ من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب التاريخ والسير [20] , ومن ذلك أن الحسن والحسين وفدا عليه فأجازهما بمائتي ألف وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي , فقال له الحسين: ولم تعط أحدًا أفضل منا [21] , ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: مرحبًا وأهلًا يا بن بنت رسول الله , فأمر له بثلاثمائة ألف [22] ، وهذا مما يقطع دابر كذب ما يدعُّى في حق معاوية من حمله الناس على سب علي , إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم ، وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة , وتتجلى الحقيقة [23] ، كما أن ذلك المجتمع في عمومه مقيد بأحكام الشرع حريص على تنفيذها , ولذلك كانوا أبعد الناس عن الطعن واللعن والقول الفاحش البذيء , فعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًًا: { ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا البذيء} [24] , وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أموات المشركين ؛ فكيف بمن يسب أولياء الله المصلحين , فعن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا} [25] ..

هذه هي الحقائق التاريخية الصحيحة , لا الروايات الموضوعة المكذوبة .. التي لا تثبت عن طريق النقل ولا تنسجم مع محكمات العقل ولا بدهياته ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت