فهرس الكتاب
نزلت الدموع على خدي، و أخذ الحزن العميق يضغط حلقي و كاد يخنقني، فقلت في هدوء: إنا لله و إنا إليه راجعون، لله ما أعطى ولله ما أخذ، و إن العين لتدمع و إن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الله. إخوتي، فقد قتلوا أخاكم مرتضى، فقد أدخلوا سما خطيرا في دمه، فهو لن يبقى في هذه الدنيا إلا أياما معدودة، سيطير إلى ربه ليكون شاهدا على وحشية البشر!... رحمك الله يا مرتضى...
انفجر الجميع بكاء. وساد الجو حزن شديد، وبقي الجميع واقفين في أماكنهم كالأعمدة الخشبية، ولم نحس بأنفسنا إلا بعد أن ارتفع صوت أذان المغرب في المسجد عاليا.
رجع مرتضى إلى أهله في كويته. و مرة أخرى عادت السعادة و الهناء والفرح إلى هذه الأسرة التي عاشت الويلات والفقر في غياب الأب المجاهد. لكن لم تستمر هذه السعادة طويلا، فبعد بضعة أيام فقط شعرت البنت الصغيرة أن وجه أبيها أصبح أشد تلألؤا و نورا، و أن بسمته صارت أكثر بهاء و جمالا، وأن عيونه تنظر سعيدة إلى الأعلى، لكنها جامدة لا تتحرك. أخذت الصغيرة تقبل أباها و تناديها و لكن لا تسمع جوابا. فأخذت تبكي و تصرخ عاليا.. و عندها أدرك الناس بأن الشهيد لبى دعوة ربه و اختار الرفيق الأعلى، و ترك لهم جثة هامدة تذكارا لأيام المحنة القاسية...
شرب مرتضى رادمهر كأس الشهادة التي قدم له في سجون"كرمان"بعد أن عاد إلى حضن أسرته في كويته، وبعد أن ودع ابنته الوحيدة، ليذهب إلى ربه، ويقدم شكاواه المؤلمة إلى الحكم العدل و ليكون شاهدا على هؤلاء الفراعنة الذين استعبدوا الناس بعد أن ولدتهم أمهاتهم أحرارا، و أخذوا يصدون الناس عن سبيل الله و يرمون كل من آمن بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد ( صلى الله عليه وسلم) نبيا و رسولا و كفر بأهوائهم و بدعاتهم و شركياتهم في زنازين الظلم و الطغيان..
ذهب رادمهر ... لكن بقيت دعوته..
ذهب مرتضى، لكن ظلت روحه تنتقل بين الشباب في إيران و توقظهم من سباتهم و نومهم العميق..